الأقباط متحدون - بعد اعتراف المجمع به قديسًا.. تعرف على سيرة القديس الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان
  • ٠١:٤٠
  • الجمعة , ٢٢ مايو ٢٠٢٦
English version

بعد اعتراف المجمع به قديسًا.. تعرف على سيرة القديس الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان

٣٦: ١١ م +02:00 CEST

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦

القديس الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان
القديس الأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان

نادر شكري
بعد اعتراف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في جلسته الأخيرة بالأنبا صرابامون مطران الخرطوم وأم درمان والسودان ضمن قديسي الكنيسة القبطية، عاد اسم هذا الأب الجليل ليتصدر المشهد الكنسي باعتباره واحدًا من أبرز الشخصيات الروحية والرعوية التي خدمت الكنيسة داخل السودان خلال النصف الأول من القرن العشرين، وترك إرثًا كبيرًا في مجالات الرعاية والتعليم وبناء الكنائس.

ويُعد الأنبا صرابامون من أبرز الآباء الذين جمعوا بين الحياة النسكية العميقة والعمل الرعوي والخدمة الوطنية، حيث عُرف ببساطته الشديدة وروحانياته العالية وارتباطه القوي بالصلاة والقديسين، إلى جانب دوره التاريخي في تأسيس ونهضة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالسودان.

الميلاد والنشأة
وُلد الأنبا صرابامون باسم “يوحنا” في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر يوم 7 يناير عام 1860، ونشأ في بلدة العضايمة بمحافظة قنا. تأثر منذ صغره بسير القديسين والرهبان، وخاصة سيرة الراهب يوحنا الرومي صاحب الإنجيل الذهبي، كما عُرف بحبه الشديد للعبادة والزهد.

وأصيب في شبابه بمرض شديد، فنذر نفسه للرهبنة إذا شفاه الله، وبعد شفائه توجه إلى دير السيدة العذراء السريان ببرية شيهيت بوادي النطرون، وترهب هناك عام 1878، ثم سيم قسًا في نفس العام، ورُقي إلى رتبة القمصية لاحقًا بيد الأنبا بطرس أسقف منفلوط.

خدمته في دير السريان
برز الأنبا صرابامون داخل دير السريان لما امتلكه من روح تدبيرية وقدرة على الإدارة، فعُين وكيلًا للدير، ثم اختاره البابا كيرلس الخامس رئيسًا للدير بعد نياحة رئيسه السابق.

وشهد الدير في عهده نهضة عمرانية واقتصادية كبيرة، حيث قام ببناء قلالي للرهبان، وقصر لاستقبال الزائرين، كما اشترى أملاكًا وعقارات لصالح الدير في القاهرة والجيزة، الأمر الذي ساهم في تحسين موارد الدير بصورة كبيرة.

كما اهتم بالحياة الروحية للرهبان، فجمع بين الإدارة الناجحة والحياة النسكية الهادئة، وهو ما أكسبه محبة الجميع.

سيامته أسقفًا للخرطوم والسودان
في عام 1897، وأثناء الاستعداد لرسامة أسقف جديد للخرطوم والسودان، اعتذر أحد الرهبان المرشحين في اللحظات الأخيرة، فاختار البابا كيرلس الخامس القمص يوحنا السرياني ليحمل هذه المسئولية، فرُسم أسقفًا باسم “الأنبا صرابامون” على الخرطوم وأم درمان والسودان والنوبة.

وفي عام 1909 تمت ترقيته إلى رتبة مطران خلال زيارة البابا كيرلس الخامس التاريخية للسودان.

نهضة الكنيسة القبطية في السودان
وصل الأنبا صرابامون إلى السودان بعد سنوات قليلة من انتهاء الحكم المهدي وعودة الأقباط تدريجيًا إلى البلاد، فبدأ رحلة شاقة لإعادة بناء الكنيسة القبطية هناك.

وأسس أول كنيسة قبطية في الخرطوم، ثم توالت الكنائس التي شيدها في مدن السودان المختلفة، ومنها:
•  كنيسة السيدة العذراء بالخرطوم. 
•  كنيسة مارجرجس بالخرطوم بحري. 
•  كنيسة السيدة العذراء بأمدرمان. 
•  كنيسة السيدة العذراء بعطبرة. 
•  كنائس الأبيض والدامر وبورسودان. 
كما اهتم بالتعليم بصورة كبيرة، فأنشأ:
•  الكلية القبطية للبنين بالخرطوم عام 1919. 
•  الكلية القبطية للبنات عام 1924. 

وأصبحت المدارس القبطية في السودان من أهم المؤسسات التعليمية التي خدمت المسلمين والمسيحيين معًا، وتخرج فيها عدد كبير من الشخصيات السودانية البارزة.

بساطته وروحه النسكية
عُرف الأنبا صرابامون بحياة البساطة والتواضع الشديد. وكان يعمل بيديه في البناء والخدمة رغم مكانته الكنسية.

ويُروى أن الحاكم العام للسودان زاره يومًا فوجده يحمل أدوات البناء بنفسه أثناء إنشاء المطرانية، فتعجب وسأله إن كان شقيق المطران، فأجابه:
“أنا المطران، والراهب يجب أن يعمل بيديه”.

كما كان يجمع التبرعات للكنائس والمدارس ببساطة شديدة، مرددًا عبارته الشهيرة:
“أعطوني ثمن فرخة لأجل الكنائس والمدارس”.

علاقته بالقديسين والروحيات
اشتهر الأنبا صرابامون بحياة الصلاة العميقة، وكان كثير الحديث عن معونة القديسين والملائكة، حتى إن زواره كانوا يسمعونه يتحدث وكأنه يخاطبهم بصورة مباشرة.

كما عُرف بموهبة إخراج الأرواح النجسة والصلاة من أجل المرضى، ونُسبت إليه معجزات عديدة، منها:
•  شفاء امرأة من حمى التيفود. 
•  إخراج أرواح شريرة من أحد المنازل. 
•  شفاء رجل أصيب بألم شديد بعد سرقته مبلغًا من المطرانية. 

مواقفه الوطنية والكنسية
شهدت فترة خدمته بالسودان محاولات من الكنيسة الأسقفية الإنجليزية لفصل أقباط السودان عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، إلا أن الأنبا صرابامون تمسك بإيمان الكنيسة القبطية ورفض أي محاولات للمساس بعقيدتها أو ارتباطها بكرسي مارمرقس الرسول.

كما دافع بقوة عن الهوية الأرثوذكسية للكنيسة القبطية بالسودان، ووقف ضد محاولات التدخل الإنجليزي في الشأن الكنسي.

سنواته الأخيرة ونياحته
 في أواخر حياته نشب خلاف داخل الإيبارشية، وتدخلت السلطات الإنجليزية لمنعه من العودة إلى السودان، فعاش سنواته الأخيرة بالقاهرة داخل القصر البطريركي.

وتنيح الأنبا صرابامون في 18 يونيو 1935 عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد حياة حافلة بالخدمة والعطاء.

ودُفن بكنيسة الشهيد أبي سيفين بمصر القديمة تحت المذبح.

وبعد نياحته ظل كرسي السودان شاغرًا لمدة 12 عامًا، قبل أن يقسم البابا يوساب الثاني السودان إلى إيبارشيتين منفصلتين.

إرثه الكنسي
ترك الأنبا صرابامون إرثًا ضخمًا في السودان، سواء على المستوى الروحي أو التعليمي أو الرعوي، ويُعتبر أحد أبرز البنائين الحقيقيين للوجود القبطي الحديث في السودان.

كما بقيت الكنائس والمدارس التي أسسها شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ الكنيسة القبطية خارج مصر، وعلى شخصية رعوية جمعت بين القداسة والبساطة والعمل الوطني والخدمة الصامتة.