رحيل صوت الهيبة والعبقرية.. وفاة الفنان عبد الرحمن أبو زهرة آخر عمالقة الزمن الجميل
محرر الأقباط متحدون
٢١:
١١
ص +02:00 CEST
الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦
كتب - محرر الاقباط متحدون
برحيل عبد الرحمن أبو زهرة، لم تفقد الدراما المصرية مجرد ممثل قدير، بل فقدت واحدًا من آخر العمالقة الذين امتلكوا تلك الهيبة النادرة التي تجعل المشاهد يشعر أن الشخصية حقيقية حتى لو ظهرت لدقائق قليلة فقط على الشاشة.
رحل الرجل عن عمر ناهز 92 عامًا بعد رحلة طويلة مع المرض، وبعد سنوات من الابتعاد القسري عن الأضواء التي أحبها وأحبته، تاركًا خلفه تاريخًا فنيًا ضخمًا يصعب اختصاره في عشرات الأعمال أو مئات المشاهد، لأن أبو زهرة لم يكن مجرد ممثل يؤدي دورًا، بل كان مدرسة كاملة في الأداء والصوت والحضور والقدرة على التحول من الشر المطلق إلى الحنان المفاجئ، ومن القسوة إلى الكوميديا، ومن الوقار إلى الجنون، دون أن يفقد لحظة واحدة صدقه أمام الجمهور.
ولد عبد الرحمن أبو زهرة في مدينة دمياط عام 1934، وعاش طفولة مصرية بسيطة في زمن كانت فيه الثقافة والفن بالنسبة للكثيرين رفاهية بعيدة، لكنه امتلك مبكرًا شيئًا مختلفًا: صوتًا استثنائيًا وحضورًا لافتًا وشغفًا بالفن جعله يقرر دراسة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهناك بدأت ملامح الفنان الحقيقي تتشكل. كان من جيل يؤمن أن التمثيل ليس مجرد شهرة، بل انضباط وثقافة واحترام للمهنة، ولذلك بقي طوال عمره معروفًا بدقته الشديدة ورفضه للتنازلات الفنية السهلة.
في المسرح تحديدًا صنع أبو زهرة اسمه الحقيقي، لأن المسرح كان المكان الذي يظهر فيه المعدن الأصلي للممثل، وهناك اكتشف الجمهور ممثلًا يستطيع أن يسيطر على الخشبة بمجرد نبرة صوت أو نظرة عين. لكن التلفزيون والسينما كانا ينتظران لحظته الكبرى، ومع الوقت بدأ يتحول إلى واحد من أهم وجوه الدراما المصرية، خصوصًا في أدوار الشر المركب، ذلك الشر الذي لا يبدو كرتونيًا أو مبالغًا فيه، بل شرًا إنسانيًا حقيقيًا يخيفك لأنه مقنع. كثيرون يتذكرونه كأحد أعظم من قدموا شخصية “المعلم” أو “رجل السلطة” أو “الأب القاسي”، لكنه في الحقيقة كان أكبر من التصنيف نفسه، لأنه كان قادرًا على إقناعك بأي شخصية مهما كانت متناقضة.
في السينما شارك في أفلام صنعت جزءًا من ذاكرة المصريين، ووقف أمام كبار النجوم دون أن يذوب في ظلهم أبدًا، بل أحيانًا كان يخطف المشهد بالكامل بكلمة واحدة أو ضحكة ساخرة أو انفجار غضب مفاجئ. أما في الدراما التلفزيونية فكان حضوره أشبه بعلامة جودة، يكفي أن يظهر اسمه على التتر ليشعر المشاهد أن العمل “ثقيل” ومليء بالأداء الحقيقي. أجيال كاملة تربت على مشاهده في مسلسلات مثل لن أعيش في جلباب أبي ورأفت الهجان والمال والبنون، حيث استطاع أن يصنع شخصيات بقيت عالقة في الوعي المصري حتى اليوم.
لكنه لم يكتفِ بالتمثيل التقليدي، بل دخل عالم الأداء الصوتي وحقق فيه نجاحًا مذهلًا، حتى إن صوته أصبح جزءًا من طفولة الملايين عبر أفلام الرسوم المتحركة المدبلجة، وكان أشهرها صوته الأيقوني لشخصية الأسد “سكار” في النسخة العربية من The Lion King، ذلك الصوت الذي مزج السخرية بالقسوة والدهاء بطريقة جعلت الشخصية محفورة في ذاكرة جيل كامل.
ورغم النجاح الكبير، لم تكن حياة أبو زهرة سهلة دائمًا. في سنواته الأخيرة شعر بحزن واضح من تجاهل الوسط الفني له، وتحدث أكثر من مرة عن إحساسه بأن الزمن نسي جيلًا كاملًا من الفنانين الكبار الذين صنعوا قيمة الفن الحقيقي قبل عصر “التريند” والمشاهد السريعة. كما عانى صحيًا لفترة طويلة، وتدهورت حالته بعد مضاعفات صحية مرتبطة بفيروس كورونا ومشكلات في الجهاز التنفسي، حتى دخل العناية المركزة أكثر من مرة قبل رحيله. كما عانت أسرته كثيرًا من شائعات وفاته المتكررة على مواقع التواصل، وهي الشائعات التي سببت له ولأسرته ألمًا نفسيًا كبيرًا قبل أن يتحول الخبر هذه المرة إلى حقيقة مؤلمة.
لكن ربما أكثر ما يميز عبد الرحمن أبو زهرة أنه ظل حتى النهاية محتفظًا باحترام الناس، ليس فقط كفنان، بل كإنسان صاحب مواقف واضحة وكرامة كبيرة. ابنه تحدث بعد وفاته عن رجل علم أبناءه أن الدين أخلاق ومعاملة، وأن الشرف والصدق أهم من أي نجاح أو شهرة، وهي كلمات لخصت شخصية الفنان الراحل أكثر من أي تكريم رسمي.
واليوم، بينما يودعه الجمهور بحزن حقيقي، يبدو واضحًا أن رحيل عبد الرحمن أبو زهرة ليس مجرد خبر وفاة فنان قديم، بل نهاية جيل كامل من الممثلين الذين كانوا يدخلون الشاشة فيشعر المشاهد أن الفن ما زال له معنى وهيبة وقيمة حقيقية.
الكلمات المتعلقة
