أعمدة المواطنة.. العدل

د. عاطف نوار

بقلم: د. عاطف نوار
أحد الأعمدة التي تحمل المواطنة فتحفظها رصينة من أطماع أعداء الوطن اللعينة هو الوجه الآخر لعملة الحق، فالعدل هو الترجمة الفعلية له، فإذا كان الحق مبدأ فإن العدل هو تحقيق ذلك المبدأ.. عدل الحاكم بين محكوميه.. عدل المدير بين مرؤوسيه.. عدل رب الأسرة بين أولاده.. عدل كل إنسان بين أصحاب الحقوق عنده، إن تفاعل الحق مع العدل ينتج مُركبًا تحتاجه المواطنة دائمًا ألا وهو السلام.. السلام بين المحكومين.. السلام بين المرؤوسين.. السلام في الأسرة بين البنات والبنين، جسّد الكتاب المقدس هذه المعادلة بطرفيها في مز 84 "الرحمة والحق تلاقيا والسلام والعدل تلاثما".
لا شك عزيزي أن العدل يولد المحبة والسلام فهو ينتزع الكراهية من جذورها حيث أن الكراهية والبغضة أبناء للتمييز، إن إختلال كفّتي ميزان العدل بين أفراد الشعب الواحد يقود للمقارنة فينادى الطرف المقهور بالحقوق ذاتها المخولة للطرف الآخر ناهيك عن الحزازات التي تنشأ بين الطرفين والتهاب المشاعر المشحونة بالطائفية والحزبية بينهما، والنتيجة تكون سوداء على حساب الوطن لحساب أعداء الوطن.
إن العدل هو الابن البكر للحكمة.. والحكمة بنت بكر للعقل المستنير الفكر.. والفكر المستنير هو أساس راسخ قابع في روؤس القادة والساسة والملوك يميزون بين القرارات المختلفة يلا تمييز بين أفراد شعوبهم، فبات وأصبح وما زال العدل أساسًا للمُلك، إن الله العادل هو إسمه والعدل بين خلقه هو منهجه، وبالتالي فأي دولة تتخذ من دين الله دستورًا لا بد أن يكون لها العدل منهجًا.
من هنا أعزائي فالعدل له أوجه عديدة ولعل أبرزها في وطننا العربي هي قضية الطائفية الدينية والتي عبث بها أعداء الوطن بفكرهم الإرهابي الملوث، مولين الحقوق جميعها لفئة واحدة وقد سلبوها من فئات أخرى، باتت قضية النصارى مشكلة مزمنة فكان التجاهل سندها والتهميش منهجها، فغاب العدل وراء غيوم الإرهاب الكثيفة.. صادر الفكر الإرهابي حقهم، حقهم في بناء كنائسهم.. حقهم في الرد على من يتطاول على معتقداتهم.. حقهم في التنديد بالفكر الإرهابي الخطير ومناداتهم بالفكر المعتدل المستنير.. حقهم في إعتلاء المراكز القيادية.. حقهم في أن يُعاقب كل من حرق كنائسهم وقتل أبنائهم وخطف بناتهم ودمر وسرق ممتلكاتهم.. حقهم في اختيار ما يدينون به.. حقهم في ممارسة مواطنتهم كاملة.
وهنا.. ونحن بصدد واقعة ميت غمر.. فمن منطلق منهاج العدل الذي ننادي به يجب مراعاة كل جوانب الواقعة، يجب مراعاة أن القتيل رفض الوفاء بدينه للبقالة وهو الذي بادر بالضرب وتدمير المتجر وأن جون كان في حالة الدفاع عن نفسه، أنادي بتحقيق العدل كاملاً، فكما سيُعاقَب جون كذلك يجب أن يُعاقَب الجناة في أحداث الكُشح الأولى والثانية وأحداث أبو فانا وأحداث عزبة عاطف بعين شمس الغربية، كما سيُعاقَب جون لا بد أن يُعاقَب سفاح الأسكندرية الذي قتل المصلين في عدة كنائس الواحدة تلو الأخرى في نفس اليوم بمخطط مدروس لا يتناسب مع وصفه كمختل، كما سيُعاقَب جون لا بد أن يُعاقب الجناة الذين اعتدوا على نصارى عزبة بشرى الشرقية وبالفشن –بنى سويف- وحرقوا زراعتهم معبرين عن رفضهم لوجود كنيسة في القرية والغريب أن اشتعلت نفس الأحداث وللسبب نفسه في قرية جرجس وذلك بعد إقامة مؤتمر الوحدة الوطنية برعاية محافظ بنى سويف، كما سيُعامَل جون بالعدل لا بد أن يُعامَل كل هؤلاء بنفس العدل، وكما تُرك هؤلاء الجناة بلا حساب أو عقاب ينبغي أن يُترَك جون بلا حساب أو عقاب أيضًا.. هذا هو العدل.
أما الشيء الغريب الجديد أن توجه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لأسرة جون كلها! هل من العدل أن يُترك جناة الكُشح و أبو فانا وعين شمس وتُكيل التهم لجون وعائلته بالجملة؟ هل من العدل أن يُترك سفاح الأسكندرية المحترف دون عقاب وتُكيل التهم لجون وأسرته بالجملة؟ لماذا لم يوصف جون بأنه مختل ويُترك لحال سبيله كسفاح الأسكندرية؟ إن العدل الحقيقى لا يُجزأ فالمساواة في الإتهام والإفراج عدل..
إن (إنفلونزا) الفكر الإرهابي انتشرت في ربوع وطننا العربي، ففي العراق كان الحدث المُفجع بمقتل نيافة المطران رحو بيد الإرهابيين مُلقين جثته في الطريق العام مجسدين الحقد والكراهية في أجلى صورها، وكان من العدل ان يُحاكم هؤلاء الجناة إلا أنهم تُركوا يعيثوا في الأرض ليس فسادًا فحسب بل قتل وسرقة ونهب وإغتصاب، والحال هو نفسه في لبنان وفلسطين حيث اندثر العدل تحت رمال الإرهاب وفكره المتطرف المريض فانهارت قصور المواطنة المبنية على الرمال.
إن الفكر الإرهابى يدعو للتمييز معلنًا عن خطته في طمس معالم العدل مُشٍِيعا بين أبناء الشعب الواحد الحزازية والكراهية مُشَيعًا بسلاحه وسيفه جنازة المواطنة والوطنية، ولناخذ مثالاً حيًا للمواطنة الحقيقية بلاد الغرب.. هذه البلاد على اختلاف سكانها دينًا ولونًا إلا أنهم يحيون المواطنة كاملة حاملين كل الولاء لتلك البلاد التي منحتهم حقوق المواطنة من حرية عقيدة وحرية رأي، منحتهم هذا كله بميزان العدل الحساس الدقيق، فبات كل فرد راض مستريح لا يحمل بين ضلوعه الإحساس بالقهر أو بالظلم.. مستعد لبذل قصارى جهده من أجل البلاد التي أعطته خيراتها بلا تمييز بين أسود أو أبيض.. بلا تمييز بين دين وآخر.. بلا تمييز.. بالعدل.. فانعكس ذلك على الإنتاج، فاردهر الإقتصاد.. زادت موارد البلاد لما يقوم به العلماء من جهود في البحث والدراسة.. أصبحت تلك الأقطار مصدرًا للعلم والتكنولوجيا الحديثة بفضل العدل بين مواطنيها الذين عاشوا فيها راضين سعداء بلا شعور بقهر ولا إحساس بظلم..

العدل يولد الإحساس بالمواطنة.. والمواطنة تولد الحب للوطن والجميع.. لذا.. من أجل مواطنة كاملة مُنتجة بناءة.. فالحل هو العدل.

د. عاطف نوار
bolapavly@yahoo.com

المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع