ÇáÃÞÈÇØ ãÊÍÏæä
طباعة الصفحة

في الجزء الثاني من الحوار.. الأب باسيليوس يكشف بعدًا آخر لحل أزمة طالبوا الطلاق وفق تعاليم الإنجيل: المسيح لم يقم خدامه قضاة وليس من سلطة أحد إجبار إثنين على العيش معًا

أماني موسى | 2015-06-25 17:47:11
* المسيح لم يُقم خُدَّامه قُضاةً على المسيحيين في شئونهم الشخصية، بل أقامهم كارزين بالحياة الأبدية، ومُبشِّرين بمغفرة الخطايا من خلال أسرار الكنيسة بسلطان الروح القدس، وهذه لا ينازعهم فيه أحد.
*المسيح حوّل العقوبة إلى خلاص في العهد الجديد.
* لا بد أن يعرف المسئولون في الكنيسة أنه ليس في مقدور ولا في سلطة أحد على أن "يوافق" أو "لا يوافق" على طلاق اثنين عجزا عن الحياة معًا في مكان واحد وعيشة واحدة.
* الكنيسة ليست محكمة بل مستشفى.
 
حوار – أماني موسى
استكمالاً لحوار الأمس مع الراهب الأب باسيليوس المقاري، حول أزمة الزواج الثاني والطلاق ومفهوم الزنا بالمسيحية، خاصة بعد اختلاف الطوائف فيما بينها على تفسير الأيات المتعلقة بهذا الشأن، حيث تصر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على أنه لا طلاق إلا لعلة الزنا وفي محاولة منها لاحتواء الأزمة، توسعت في مفهوم الزنا الحكمي المؤدي إلى الطلاق، بينما الكنائس الأخرى تقول أن "لا طلاق إلا لعلة الزنا" لم ترد بالكتاب المقدس، وهذا ما أكده جناب الأب الورع باسيليوس في حديثه إلينا بالأمس..
 
* كيف كان يتعامل السيد المسيح مع قضايا اليهود الاجتماعية في ذلك الوقت؟
- المسيح رفض أن يكون قاضيًا لشئون اليهود في أحوالهم الشخصية اليومية، فالسيد المسيح أتى مُبشِّراً وكارزًا ومُعلِّمًا بالحياة الأبدية، ورفض أن يكون قاضيًا لشئون اليهود في أحوالهم الشخصية اليومية (مثل تقسيم ميراث المتوفِّي على الأبناء) بقوله لهم: "مَنْ أقامني قاضيًا عليكما" (إنجيل لوقا 12: 14).
كما رفض أن يُفتي في السؤال الماكر من اليهود: "هل يدفعون الجزية لقيصر أم لا" ليُسلِّموه للوالي: فردَّ عليهم: "اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (إنجيل لوقا 20: 25)، مُعلنًا عدم تداخل الكنيسة وخُدَّام المسيح في شئون حُكَّام الأرض (السلطة السياسية الحاكمة).
 
*هل موقف الكنيسة بالطلاق يعد تدخلاً؟
المسيح لم يقم خُدَّامه قُضاةً على المسيحيين في شئونهم الشخصية الزمنية، مما يُدخل الكنيسة وخُدَّام المسيح تحت مراجعة سلطة القضاء الحكومي ويجعل المحاكم المدنية والجنائية والعالمية تُصدر أحكامًا على الكنيسة وخُدَّام الكنيسة.
المسيح أقام خُدَّامه كارزين بالحياة الأبدية، ومُبشِّرين بمغفرة الخطايا، ومانحين نعمة الله بالغفران بلا مانع، ومُعلِّمين بناموس وبرِّ المسيح، وأعطاهم مواهب الشفاء من الخطية بالمغفرة من خلال أسرار الكنيسة بسلطان الروح القدس، وهذه لا ينازعهم فيه أحد، ولكن ليس بالعقوبة كما كان في ناموس موسى في العهد القديم، تلك العقوبات التي ألغاها المسيح وحوَّلها إلى خلاص وشفاء.
 
*إذًا فما هو عمل الكنيسة في محنة الطلاق؟
الطلاق واقع ومأساة محزنة لكلا الطرفين ولأولادهما وبناتهما، تكلِّف الزوجين ليس فقط مصاريف باهظة بل ومعاناة واستنـزافًا في الأعصاب وبالتالي في الصحة العامة، ناهيك عن ضياع العمر في المحاكم والمجلس الإكليريكي، وفي انشغال الذهن بمصير الأطفال ومستقبلهم، كلما امتد الزمن والإجراءات بدون استقرار عائلي.
 
كما لا بد أن يعرف المسئولون في الكنيسة أنه ليس في مقدور ولا في سلطة أحد على أن "يوافق" أو "لا يوافق" على طلاق اثنين عجزا عن الحياة معًا في مكان واحد وعيشة واحدة.
 
وأستطرد الأب باسيليوس، إن الأصوات التي لا تعترف بواقع هذا المحنة الصعبة، هي أصوات يعجز أصحابها عن مواجهة المشكلة، وبالتالي يهربون من هذه المواجهة بأن يفرضوا على الطرفين من وحي خيالهم أو تصوُّرهم هم فقط أن يعيشا معًا رغمًا عنهما! وهذا ضد استطاعة وحرية الإنسان، والمسيح لم يفعل مثل هذا قط، ولم يقل بهذا قط. بل المسيح وضع فقط المثل الأعلى أمام الإنسان، وتركه ليجاهد بحرية إرادته وبإيمانه في قوة المسيح أن يبلغ إليه ولكن بقدر استطاعته حسب قول المسيح: "من استطاع أن يَقْبَل فلْيَقْبَل" (إنجيل متى 19: 9).
 
*ماذا عمن يكيلون بالاتهامات لطالبوا الطلاق باعتبارهم خارجين عن الإيمان القويم؟
الكنيسة ليست محكمة بل مستشفى، "فلا نحاكم أيضاً بعضنا بعضاً (الكنيسة ليست محكمة بل مستشفى" حسب قول القديس يوحنا ذهبي الفم)... "فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضُّعفاء" (رسالة رومية 14: 1 – 13؛ 15: 1)، فهذه الوصايا الرسولية الثمينة، نقدِّمها لكل من يدين ويزدري بإخوتنا وأخواتنا المُطلَّقين والمُطلَّقات ويقسو في الحكم عليهم بطريقة مؤسفة لا تمتُّ إلى المسيح ولا الإنجيل ولا بخلاص نفوس هؤلاء المساكين بصلة.
 
*ما هو العمل البديل للحيلولة دون الطلاق؟
لن يكون ذلك بالعقاب الجسدي بمنعه من الزواج إلى الأبد! فأولاً هذا ليس من سلطة الكنيسة بل هو من سلطة الدولة، وحتى الدولة لا تستطيع منع أحد من الزواج بحسب الدستور، والأخطر بحسب قوانين حقوق الإنسان العالمية، فحق الزواج هو أحد حقوق الإنسان المعترف بها عالميًا.
 
*ما هو دور الأراخنة وممثلو الشعب بالمشاركة في صياغة القرارات الكنسية؟
هنا يُثار سؤال هام: ما المقصود ‏"بالشعب"؟ هل هم جمهور المؤمنين على وجه العموم، سواء المهتمون بالشئون الكنسية العامة وغير المهتمين؟ العارفون والمُدقِّقون في الشرائع والقوانين وغير العارفين؟ 
 
تشير كل النصوص القديمة ذات الأصل الروماني اللاتيني، إلى أن المقصود بالشعب هم الممثلون للشعب الذين لهم دور ما في خدمة الكنيسة، والمعرفة، والخبرة الروحية الحياتية، والاهتمام بشرائع وقوانين الكنيسة، هؤلاء هم الذين يُسأل رأيهم وتؤخذ وجهات نظرهم مأخذ الاهتمام والجَدِّ، وتذكر نصوص كتابات القديس كبريانوس بابا كنائس شمال أفريقيا في القرن الرابع هذا المفهوم حين حديثه عن الشعب، وكلمة ‏«الشعب‏» وهي تعني عنده - بحسب رأي العلماء المدققين، "نخبة الشعب والأعضاء البارزين في الكنيسة، وذوي المشورة الحسنة والحكمة المشهود لهم بالعلم والدراسة والدقة في المعرفة".
ثم يُثار سؤال آخر هو: حينما كان يؤخذ رأي الشعب أو ممثليه هل كان ذلك بعد إصدار القرارات الكنسية أو قبل ذلك؟ أي هل كانت موافقة الشعب على القرارات إجراءً شكلياً أم كانت لازمة لإصدار القرار؟؟ باستقراء العلماء لنصوص تاريخ الكنيسة وكتابات الآباء القديسين يظهر من بين ثناياها هذا الموضوع، إذ أن موافقة الشعب لم تكن شكلية البتة، بل كثيرًا ما كان الشعب يأخذ دوره الإيجابي والفعال في عملية صياغة القرار الكنسي.
 
فإن أعضاء الشعب البارزين كثيرًا ما كان حضورهم فعالاً نشطًا في المناقشات التمهيدية التي كانت تجرى للتمهيد لإصدار القرار الكنسي في مجامع الأساقفة، سواء المجامع المكانية منها على الأخص، أو أثناء صياغة ومراجعة النصوص التي ستتبناها هذه المجامع، وقوانين الكنيسة منذ البدء تصف الكنيسة بأنها إكليروس وشعب ولا قيام للواحد بدون الآخر. 
ومن لا بد من ضرورة تفعيل هذه القوانين الرسولية في مناقشة بنود القوانين المختصة بالزواج والطلاق.
 
*ما مقترحاتك في هذا الشأن للخروج من الأزمة وفق تعاليم الكتاب المقدس؟
لذلك وبناءً على تكليف كتاب "الدسقولية" الشعب ممثِّلاً في نخبة العلماء والمُثقَّفين الذين فيه، لذلك نقترح أن تقوم لجنة من نخبة الأقباط وما أكثرهم، بالاجتماع لمناقشة بنود القوانين المختصة بحياة الأسرة القبطية، والمشاكل التي تعترضها سواء في الزواج أو بعد الزواج، أو حينما تتأزم العلاقة وتصل إلى حد المطالبة بالطلاق، على أن تُعطى لهؤلاء المجتمعين الحرية التامة بوضع مشروع جديد مؤسس على منهج المسيح في العهد الجديد القائم على علاج الخطية بالمغفرة (وهذا في سلطان الكنيسة الممنوح لها من المسيح حين أرسلها للعالم: "فقال لهم يسوع أيضًا:«سلامٌ لكم! كما أرسلني الآب أرسلكم أنا». ولمَّا قال هذا نفخ وقال لهم:«اقبلوا الروح القدس. من غفرتُم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتُم خطاياه أُمسكت»" - إنجيل يوحنا إصحاح 20 عدد 21، 22)، لا بالعقوبة المؤبدة (التي هي من سلطان الدولة المدنية فقط وحتى هذه العقوبة المؤبدة فيمكن أن تنتهي بعد مدة محددة ويُفرج عنه بعد ذلك بإجراءات خاصة)، وذلك في التعامل مع الإنسان باعتباره إنسانًا له حرية إرادته، مع التسليم بحالات الضعف البشري الذي جاء المسيح من أجل شفائه منها، وذلك بحسب القانون الرسولي: [وهكذا يجب أيضاً أن تصنع بالذين يتوبون عن خطاياهم، أي نفصلهم زماناً محددا كمقدار خطيتهم، وبعد هذا إذا تابوا نقبلهم إلينا كما يقبل الآباء أبنائهم إليهم] الدسقولية (4: 8).
 
*ختامًا.. هل يجوز للكنيسة أن تعاقب الخطاة؟ وهل من حق الكنيسة أن تمنع نعمة الله عن أحد منعًا أبديًا؟
نعم هل يجوز للكنيسة أن تعاقب الخطاة بالعقوبة الأبدية؟ وهل من حق الكنيسة أن تمنع نعمة الله عن أحد منعاً أبدياً؟ وها هي المرة الوحيدة التي وردت في الإنجيل أن المسيح الوديع الرحيم يعاقب فيها ذلك العبد الشرير (الذي بعد أن سامحه سيده فخرج ليعاقب زميله العبد الآخر) بعقوبة أبدية شديدة؟ وهل من اختصاص الكنيسة أن لا تأتمن أن تُزوِّج طرفاً زانياً فلا تُجري له سر الزواج الثاني، بناءً على هذه الحجة؟ وهل من حق أحد أن ينتحل لنفسه حق دينونة الخطاة عقاباً أبدياً في هذا الدهر الآن؟
 
وتابع، لأول مرة في تاريخ الكنيسة القبطية منذ ٢٠ قرنًا، وفي القرن الحادي والعشرين، تطرد الكنيسة أبناءها وبناتها من الكنيسة وتدفعهم خارجًا، في ذلك القانون الجديد الذي نحن بصدده، لتجعلهم يطالبون بالزواج المدني بعيدًا عن الكنيسة.. يا للكارثة!!
 
 وليس أمامنا – ردّاً على ذلك - سوى التحذيرات التي أطلقها الآباء الرسل الأطهار للأساقفة الذين أقاموهم على مدن العالم: أن لا يطردوا ولا واحداً أو واحدة من أبناء وبنات الكنيسة، بينما نجد مسئولين في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تصريحاتهم العلنية يخالفون ويضادون هذا التحذيرات الرسولية.
- يقول الآباء الرسل في تعاليمهم المسماة "الدسقولية"، وقد نشره القس مرقس داود في الأربعينيات من القرن الماضي ، ثم حققه الدكتور في القانون وليم سليمان قلادة نائب رئيس مجلس الدولة سنة 1998، ونشرته دار الثقافة: وللإثبات والأسانيد، سنذكر رقم الصفحة ورقم البند في أول كل اقتباس :

كيف تظهر أُبوَّة الأسقف نحو الخطاة والضعفاء؟
فصل 4: بند 8 – (الحكم يكون إلى زمان محدد وليس أبدياً) وهكذا يجب أيضاً أن تصنع بالذين يتوبون عن خطاياهم، أي نفصلهم زماناً محدداً كمقدار خطيتهم، وبعد هذا إذا تابوا نقبلهم إلينا كما يقبل الآباء أبناءهم إليهم.
421،3 - وبالحري، فلنقبل إلينا بفرح الذين يتوبون ونفرح معهم بالأكثر، وبالحري نحكم على الذين أخطأوا بالرحمة والرأفة (لاحظ: نحكم عليهم بالرحمة والرأفة!! وليس بالحكم الأبدي) لأنه إذا مشى واحد عند البحر وزلق وأنت عوض معاضدتك إياه وجذبه إلى فوق، صرت أنت تشبهه أيضاً، ودفعته أسفل إلى البحر، فقد قتَلْتَ أخاك (جريمة قتل عقوبتها الإعدام شنقاً في القانون الجنائي). كان يجب عليك بالحري أن تعضد الذي زلق لئلا يهلك تماماً، لكي يتأدب الشعب والذي أخطأ أيضاً. لئلا يهلك الكل.
 
435، 37- الأسقف كالمسيح يحمل خطية الخاطئ: فإن كان يمكن، فليحمل الأسقف خطية ذاك عليه، ليجعله حراً. ويقول للذي أخطأ: "ارجع أنت، وأنا أقبل الموت عنك، كما مات سيدي عن الكل". لأن المسيح قال: "إن الراعي الصالح يضع نفسه عن خرافه، وأما الأجير الذي ليس براع وليست الخراف له، إذا رأى الذئب مقبلاً الذي هو الشيطان - يترك الخراف ويهرب ويخطفها الذئب".
438، 45- ولا تهزأ بالشعب الذي تحتك، ولا تخُفي عنهم ناموس الله وكلام التوبة. ولا تكن مستعداً أن تطرح أحداً بطياشة من الكنيسة، بل اثبت جيداً. ولا تكن محباً للانتهار.
 
440، 51- فإذا لم تغفروا للذين أخطأوا، فبأي نوع تنالون أنتم الغفران - أليس بالضد، فأنت تربط ذاتك وحدك، إذا قلت إني غفرتُ وأنت لم تغفر، فتصير مضاداً ومُعانداً لفمك وحدك، إذ تقول إني غفرت وأنت لم تغفر؟
 
412، 62- اقبل إليك الذين يتوبون ولا تكن قط ذا قلبين.
ولا تقبل مشورة من الذين يمنعونك ويقولون لك بغير رحمة إنه يجب أن لا تتدنس مع هؤلاء أو تتكلم معهم؛ فهذا كلام الذين لا يعرفون الله وهم يخدعونك بشبه كلام من ليس له دين، أو هم سباع شريرة. لأن هؤلاء لا علم لهم بأنه يجب لا أن نتحفظ من الشركة بالكلام مع الذين أخطأوا، لكن بالحري أن لا نصير شركاء معهم بالفعل.
 
427، 15- ويجب أيضًا أن تغفروا للتائبين، وإذا قال واحد من الخطاة بسريرة طاهرة:
«أخطأت يا رب»، فلوقته يجيبه الروح القدس: «إن الرب رفع خطيتك ولن تموت».
 
437، 43 - وأنت الآن طبيب كنيسة الرب (لاحظ أن وظيفة الأسقف: "طبيب")، فقدِّمْ الأشفية (الأدوية) اللائقة بكل واحد من المرضى، لتشفيهم وتُنجِّيهم بكل شكل، ولتُعيدهم لمكانهم في الكنيسة (التي هي مستشفى الخطاة).
الجزء الاول من الحوار اضغط هنا
 

جميع الحقوق محفوظة للأقباط متحدون © 2004 - 2011 www.copts-united.com