بقلم جمال رشدي
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ المجتمعات، لا تصنع الكلمات وحدها الوعي، بل تصنعه النماذج الحيّة. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم القمص داوود ناشد وكيل مطرانية سمالوط، باعتباره حالة استثنائية في المشهد الكنسي والوطني معًا؛ رجلٌ جمع بين حرارة الإيمان ودفء الحضور الاجتماعي، فصار عنوانًا وقدوة ومسارًا ينبغي أن يُحتذى.
القمص داوود ليس مجرد كاهن يؤدي طقوسه داخل جدران الكنيسة، بل روح متحركة في فضاء المجتمع. تراه في القداس خاشعًا مسبّحًا، وفي الاجتماع واعظًا بكلمة عميقة رصينة، ثم لا تلبث أن تجده بين الناس في فرحٍ يشاركهم ابتسامتهم، أو عزاءٍ يخفف عنهم ألمهم، أو زيارةٍ لمريض يزرع في قلبه الطمأنينة. حضوره لا يعرف حدود المكان، لأنه يؤمن أن الخدمة الحقيقية لا تُختزل في إطار، ولا تُقيد بزمان.
هو عنوان وقدوة لرجال الدين المسيحي، لأنه يجسد صورة السيد المسيح الذي كان يجول يصنع خيرًا في كل مكان، ومع كل من يقابله أو يطلبه. فالكهنوت عندهليس وظيفة، بل رسالة متدفقة بالحياة. لم يكن السيد المسيح جليس الهيكل، بل كان بين الناس؛ يحمل همومهم، يستمع إلى أوجاعهم، يشفي مرضاهم، ويطعم جوعاهم. وهكذا فهم القمص داوود معنى الخدمة؛ أن تكون في قلب الناس لا على هامشهم، وأن يكون صوتك امتدادًا لآلامهم وآمالهم.
في شوارع سمالوط وقراها ونجوعها يتردد اسمه باعتزاز. لا لأنه يسعى إلى شهرة، بل لأن أثره يسبقه. مكتبه في المطرانية مفتوح على مدار الساعة، يستقبل الداني قبل القاصي، يستمع بإنصات، ويحتوي بحكمة. يخرج من عنده الحزين أخفّ ألمًا، والمتردد أكثر ثقة، والغاضب أكثر اتزانًا. الابتسامة لا تفارق وجهه، والهدوء لا يغادر صوته، والحكمة تسبق قراره.
وعلى المستوى الوطني، تجده في الصفوف الأمامية في كل فعالية تخدم الدولة والمجتمع. حضوره ليس بروتوكولًا، بل إيمانٌ راسخ بأن الكنيسة المصرية كانت دومًا شريكًا أصيلًا في بناء الوطن. يستقبله المسلمون قبل المسيحيين بترحاب صادق، لأنه أصبح رمزًا لوحدة النسيج المصري، وعنوانًا لروح وطنية متوهجة لا تعرف التمييز ولا الانغلاق.
هاتفه لا يهدأ، ومسؤولياته لا تنقطع، ومع ذلك لا يعتذر عن واجب، ولا يضيق بصوت محتاج. يقود العمل داخل إيبارشية سمالوط تحت قيادة المطران الذهبي الدكتور الأنبا بفنوتيوس، الذي أحدث نقلة عملية وروحية واضحة في الإيبارشية، فصارت نموذجًا في الانضباط والرؤية والخدمة المجتمعية. وفي ظل هذه القيادة الواعية، كان القمص داوود أحد أبرز الأعمدة التي حملت الرؤية إلى واقع ملموس، حتى غدا ثمرة ناضجة لمدرسة كنسية تجمع بين الروح والعمل.
إن القمص داوود ناشد يجسد صورة رجل الدين الذي فهم أن الكهنوت حركة لا سكون، وأن المحبة فعل لا شعار. هو نموذج متفرد واستثنائي؛ روحانيٌّ بعمق، اجتماعيٌّ بحضور، ووطنيٌّ بإيمان راسخ. لم يفصل يومًا بين المذبح والشارع، بل جعل من الشارع امتدادًا للمذبح، ومن خدمة الإنسان طريقًا إلى الله.
حين نكتب عن القمص داوود، فنحن لا نمدح شخصًا بقدر ما نضيء مسارًا؛ مسار رجل اختار أن يكون بين الناس، فصار الناس فيه يرون صورة الكنيسة المصرية في أبهى تجلياتها، ويرون في خدمته المعنى الحقيقي للهوية المصرية الجامعة التي تتجسد سلوكًا حيًا، لا كلمات عابرة.





