بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ولد في غلاطية سنة 364م، وقد سمي بلاديوس أو بالليديوس وبدأ الدخول في غمار الحياة النسكية والرهبانية عند وصوله إلي سن العشرين سنة، حيث بدأ حياته النسكية كراهب فعاش تلميذا لاينوسنت الكاهن في جبل الزيتون لمدة ثلاث أعوام، وهذا الكاهن كان أولاً من بلاط الإمبراطور قسطنطين، ثم تلميذا لأوغريس البنطي المشهور، كما درس الكلاسيكيات بعمق، أما عن أسرته فلا يعرف عنها شيئا ما أشير إليه في كتابه (التاريخ اللوزياكي) والتي تفيد بأن أباه كان مازال على قيد الحياة سنة 394م وأن أخاه وأخته قد اعتنقا الحياة الرهبانية، وأن أخاه كان يسمى بريسون وأيضا كان أسقفا في الكنيسة وسكن في مزرعة صغيرة يعمل فيها بيده، ولما صار بلاديوس ابن 23 سنة أنضم إلى الحياة الرهبانية وبقى زماناً مع شخص يدعى ايلبديوس بالقرب من أريحا.
عندما بلغ بلاديوس سن ثلاثة أو أربعة وعشرين سنة من عمره أي في حوالي عام 388م ذهب إلى مصر ليتعرف على حياة نساكها، وأمضى فترة توازي ثلاث سنوات في مجموعها في الإسكندرية وفي صوامع المتوحدين التي لم تكن بعيدة عن تلك المدينة، وبعدها ذهب إلى نيتريا ومن هناك إلى القلالي حيث قابل ايسيذوروس صاحب دار الضيافة بالبطريركية وايسيذوروس كان في قمة النسك يعطي المحتاج والفقير إذ لم يأكل لحماً أبداً وكان يجلس بوقار على المائدة ومع هذا جسده قوي وصحته جيدة وقد عاش بلاديوس معه فترة، وبعد أن بدأ ايسيذوروس كان رجلاً متقدم في العمر وتثقل حركته وعندما سمع رغبة بلاديوس في العيش منفرداً سلمه إلى المتوحد دورثيئوس الطيبي الذي كان يسكن في مغارة على بعد خمسة أميال من الإسكندرية عاش فيها لمدة ستة عشر عاماً (16 عاماً) وكان أصلاً صديقاً للقديس أثناسيوس الرسولي في البرية أيام إضطهاد الإمبراطور ماكسيمانوس الثانى (305م – 314م)، ولكن صحته تدهورت فقفل راجعا إلى الإسكندرية للعلاج.
وكان هذا القديس يعيش في نسك يفوق طاقة بلاديوس إذ كان يعيش على اليسير من الماء وقليل من الخبز والنبات، وقضى حياته يجمع الحجارة ليبني بها قلالي لمن لا يستطيع من الرهبان أن يبنيها لنفسه، ولم يكن ينام في النهار ويقضي الليل في غزل سعف النخل وعمل السلاسل ليبيعها ويشتري بثمنها طعامه، فتركه بلاديوس الذي لم يتم ثلاث سنوات إذ كان القديس ايسيذوروس قد قال أن يمكث مع هذا المتوحد ثلاث سنوات بعدها يعود إليه، فلم يستطيع تحمل كل ذلك وإعتلت صحته فعاد إليه في الإسكندرية، حيث في تلك الفترة تعرف على القديس ديديموس الضرير وكان عمره وقتها ثمانين عاماً.
بعد رجوعه إلى ايسيذوروس بدأ يتنقل من دير إلى دير قرب الإسكندرية ويقول أنه قابل حوالي ألفين من أعظم رهبان في هذه الأديرة.
ثم إنتقل بعدها إلى جبل نتريا وهناك وجد مجمع رهباني مكون من ستمائة راهب يعيشون في شركة، أو في قلالي منفردة في الجبل ومكث في هذا المكان لمدة عام، بعدها تقابل مع القديس آمون، وتكلم كثير عنه إذ كان الأب الروحي لجماعة الرهبان هناك، وعندما تركهم إلى الصحراء الداخلية ( القلالي ) في جبل نتريا حوالي سنة 391م حيث كان عمره خمسة وعشرين عاماً ومكث هناك تسع سنين في القلالي أو الصحراء الداخلية حيث سمع بلاديوس عن القديس هور ذلك الذي يقول عنه لم يكذب أبداً ولم يتكلم إلا عند الضرورة، ولكنه لم يره أبداً والقديس بامبو أو (بموا) هذا الذي مات يوم وصوله إلى نتريا، كما تقابل مع القديس مكاريوس الإسكندري الذي كان يعيش على الخضروات مثل القديس ماراوغريس البنطي من بنطس وهو أحد الذين زاروا مصر وعاش بين رهبانها وله مؤلفات عديدة، وقد أصبح الصديق الحميم لبلاديوس بل ومعلمه بعد وفاة القديس مكاريوس الإسكندري في يناير سنة 394م، وتمتع بصحبته لمدة ثلاث سنوات وتكلم عنه الكثير وعن الروح الحقيقية للرهبنة المصرية، لكن مارأوغريس كانت أفكاره عقلانية منجذبه لأفكار أوريجانوس، وأصبح مع الأخوة الطوال معتقدين بالفكر الأوريجاني العقلاني فتأثر بلاديوس بهم كثيراً، ويقال أنه مات وأفكاره عقلانية متأثرة بهذه الآراء، ويعطينا بلاديوس صورة واقعية عن رحلة قام بها من منطقة القلالي المتاخمة لنتريا من جهة الجنوب الغربي، وكان بصحبته البانيوس وهيرو الإسكندراني وهم من رهبان القلالي، ويقول أنه في هذه الرحلة سنحت لي الفرصة ليتعرف أكثر على القديس هيرو الذي لم يذق أي طعام طوال الرحلة بالمرة، وذهب بلاديوس أيضا إلى جبل كليماكوس الذي يبعد مسافة اثني عشر ميلاً عن الإسقيط، حيث يسكن بتوليمي المصري الذي ظل لا يشرب إلا ماء يعصره من الإسفنجة لمدة عشرة أعوام.
بعد ذلك ذهب بلاديوس إلى الجنوب عند ادريبه قرب أخميم زار دير للراهبات، ذلك الذي بناه القديس إيليا الشاب صاحب الأراضي، وقد خلفه دورثيئوس الذي كان يعيش في حجرة عالية يرى منها الراهبات، ولا يصعدوا فيها إليه أو هو يذهب إليهن، كما زار في طبانسين دير من أديرة الأنبا باخوميوس، وفي أنصنا وجد اثني عشر راهبة فيهم الراهبة الكبيرة السن تاليدا ومعها راهباتها الستين.
كذلك زار في أسيوط يوحنا التبايسي، الذي نال موهبة النبوة، وهذه الموهبة وهذا النوع من الرجال لم يكن يعجب الرجال العقلانيين أتباع أوريجانس، وخصوصاً مار أوغريس البنطي الذي قال عنه إيفللين هوايت أنه أخطر شخصية دخلت منطقة القلالي، حيث مزج الروحيات بالعقلانيات والجسدانيات، ولهذا مال مار أوغريس للقديس بلاديوس إذ كان صديقه المقرب له جداً بل وتلميذه يريد ويتمنى أن يعرف حقيقة هذا الرجل يوحنا الأسيوطي، إلا أن المسافة كبيرة لا تسمح أن يذهب إليه، فسكن بلاديوس وصلى يومين وبعدها أنطلق إلي جنوب الصعيد وأمتدت رحلته حوالي ثمانية عشر يوماً، مشى بعضها وأبحر الأيام الأخرى، وقد كان الوقت صيفاً وفيه يرتفع النيل ومن ثم توقف كثير من المراكب لغرق الشواطئ وصعود الماء، كما أنه أصيب بالمرض وبعد أن وصل إلى القديس يوحنا الأسيوطي دخل معه في مناقشة وبلاديوس كاد يتركه ويذهب بعد أن حضر حاكم المدينة ليسأله في أمر ما، فترك بلاديوس فغضب إلا أنهما أكملا الحديث، وأقنعه يوحنا أنه لا يقرأ الأفكار، ولكن يوحنا كان يعلم أن بلاديوس قلق وفيه رغبة أن يترك البرية، ولكنه خائف من عدة أسباب تمنعه عن ذلك، فقال له أنه سيبقى بالبرية ويكبح جماح رغبته في العودة إلى أبيه وأقربائه، كما أنه قال له والده سيعيش سبع سنين أخر.
وتنبأ له أيضا أنه لو خرج من البرية سيلاقي متاعب جمة وأنه سيكون أسقفاً وهذا يحتاج إلى مجهود كبير، ولكنه في البرية لن يجد من يرسمه أسقفاً، وهذه النبوة كانت حوالي سنة 397م.
في هذه السنة ترك نتريا وذهب جنوباً حيث مكث بعدها أربعة أعوام في أنصنا التي وجد فيها مجمع رهباني مكون من ألف ومائتي راهب، وقابل المتوحد العظيم سليمان الذي كان يعيش في كهف دورثيؤس الكاهن وغيرهم، وهو لا يعرف إلى أي مدى وصل بلاديوس إلى الجنوب المصري لكنه من المعروف أنه زار معظم الأماكن الرئيسية للرهبان في الصعيد.
وبعد زيارة القديس يوحنا الأسيوطي أصيب في كليتيه ومعدته، وخوفاً من أن تتدهور حالته ويصاب بإستسقاء أرسله الأباء إلى الإسكندرية، وهنا يقال أنه حضر موت معلمه أيفاجريوس أوغريس سنة 399م، وهو يذكره في كتاباته بكل تبجيل واحترام، ويحكي عنه بلاديوس أنه ظل عدة شهور لا يقترب لأناء الزيت وبقي عارياً عدة أيام تحت البرد والمطر، وظل أربعين يوماً بلا سقف ينام تحته، ويصلي مائه صلاة يومياً وباقي الوقت يكتب، وعندما وصل بلاديوس إلى الإسكندرية لم يسعفه الطب، ونصحه الأطباء أن يذهب إلى الاراضى المقدسة حيث الطقس أخف وطأه وأنقى وأطاع وعاد إلى الاراضى المقدسة.
وقد مر القديس بلاديوس وهو في طريقه بالاراضى المقدسة بالقديس بوسيدنيوس Boossidonius الطيبي Th theban في مكان قرب دير الخراف عند المدينة حيث عاش معه عدة أعوام، وهذا القديس يحكى عنه أنه لم يُرى أو يتكلم مع إنسان لمدة عام بأكمله، فقد كان بسيطاً جداً ويعيش في كوخ من سعف النخل ولم يأكل خبزاً لمدة أربعين عاماً، ولم يجعل الشمس تغيب على غيظه، وبهذا أصبح بلاديوس قريباً جداً من بيت لحم، وأصبح متصلاً بالقديس جيروم، حيث وصفه بأنه رجل متعلم وذي بلاغة عظيمة ولسان يتكلم اللاتينية بطلاقة، ومن بيت لحم ذهب إلى أورشليم، وبلا شك وجد العديد من النساك الذين تدربوا على يد القديسة ميلانية العظيمة والرجل المؤرخ روفينوس.
ومدح بلاديوس ميلانية وروفينوس كثيراً، ودليل معرفتهما به جيداً أنه سافر مع ميلانية وسيلفانيا أخت روفينوس إلى مصر، وهذا كان يبدو غير طبيعي إذ أي راهب مثمر ومدرك جيداً لا يسافر مع امرأة وهذا كان غير عادي ومنبوذ من الكثيرين، ومكث بلاديوس عاماً مع بوسيدنيوس، ومن طريقة تعامله معه تعرف كم كان بلاديوس ذو حساسية كبيرة، مما دل على أن الحياة النسكية الرهبانية تركت فيه أثراً كبيراً وتأثيراً يظهر بوضوح في تعاملاته.
وفي سنة 400م ذهب إلى بثينية وهناك يظن أن يوحنا ذهبي الفم هو الذي رسمه على مدينة هلينوبوليس وتحققت نبوءة القديس يوحنا الأسيوطي عليه أنه سيم رغماً عن إرادته، ثم كلف بمأمورية لفحص التهم المقامة من يوسابيوس أسقف فالنتينوبوليس ضد أنطونيوس أسقف أفسس وقد مكث الصيف والخريف في آسيا الصغرى قبل أن يعود ليرعى ايبارشيته في هلينوبوليس، وفي سنة 403م حضر مع يوحنا ذهبي الفم مجمع البلوطة الشهير بجوار مدينة خلقدونية الذي كان قد دعى إليه خصم يوحنا ذهبي الفم - ثاؤفيلس الإسكندري -، وهناك أدين ذهبي الفم بعديد من التهم الملفقة ضده بسبب الكلمات التي تفوه بها عن الإمبراطورة أوذكسيا، وحسبوه ملاما وقرروا نفيه وعاد بعد يومين نتيجة قيام زلزال أخاف الملكة وزوجها.
في سبتمبر سنة 403 م نفته الإمبراطورة مرة أخرى إلى كليكيه على جبل هناك، ويقال أن بلاديوس عزل من منصبه كبطريرك القسطنطينية، أما بالليديوس نفسه فقد استجوبوه عن إعتقاده في الأوريجانية، وبعد أيام صاخبة قضاها اتباع ذهبي الفم في القسطنطينية هرب بالليديوس من السلطات المدنية وفي سنة 405م سافر إلى روما ليترافع في قضية ذهبي الفم أمام البابا اينوسنت الأول، ولما عاد إلى القسطنطينية أوقف مع مجموعة من رفقائه ثم نفاه أخيراً الإمبراطور اركاديوس إلى مصر.
وطيلة هذه المدة ولمدة أحد عشر شهراً ظل بلاديوس حبيساً في قلاية مظلمة خوفاً من أعداء القديس يوحنا، وبعض المؤرخين يعتقدون أنه ذهب إلى نهر الأردن حيث يوجد كهوف كثيرة للمتوحدين والنساك، وعاش مع ناسك كبادوكي سيم قساً ويسمى البيديوس، وهو كان يقوم في الليل عدة مرات للصلاة ولم يكن يأكل إلا يومي السبت والأحد فقط، ومن كلام بلاديوس عنه نستنتج أنه كان ينظر إلى هذا الرجل نظرات الاحترام والإعجاب، وهو يحكي قصة أظهرت تقوى وورع هذا الرجل وقدسيته وأثرت في بلاديوس، إذ أنه وهو يقرأ لدغته عقرباً ودون أن يتحرك الرجل أو يترك القراءة مد يده وأمسك العقرب وألقاها بعيداً فأندهش بلاديوس جداً، وقال يبدو أن هذا الرجل وصل إلى مرحلة عالية جداً ليفعل هذا دون أن يتألم.
في سنة 405 م، نجح بلاديوس في الذهاب إلى روما مع بعض الرفاق المخلصين له وكان إينوسنت أسقفاً على روما والذي أعلن أن المجمع الذي أدان القديس يوحنا غير قانونى، ولاقى بلاديوس ترحيباً حسناً من شخص يدعى بينيانوس وأعطاه زاد ومؤن لرحلته إلى القسطنطينية مع رفاقه إذ أرسلوا إلى أركاديوس برسالة من هونوريوس قائلاً فيها أنه يجب إعادة النظر في الحكم الذي أدان القديس يوحنا ذهبي الفم والمجمع نفسه.
في القسطنطينية حدث لبلاديوس ما لم يحمد عقباه إذ قبض عليه مع رفاقه، وكان نصيبه النفي إلى Syene (سينا ) وهناك بين عام 406 - 408م، وبينما كان في المنفى في سيناء أمضى أربع سنوات في مدينة اتينوي (أسوان) في صعيد مصر، وكانت أسوأ رحلة قام بها إذ ضايقه الحراس جداً، ولم يسمحوا له بخادم معه، وكتاباته وملاحظاته أخذت منه قسراً، وظل فى منفاه بأسوان حوالي الست سنين تقريباً من سنة 406 إلى سنة 412 م، وقضى أربعة سنين في أنثينوا ( قرية الشيخ عبادي) وبعض في دير أخميم والمدن القريبة له، وظل متنقلاً بين الأديرة هناك، وعاد إلى غلاطية سنة 412 م وزار كنخريا بين سنة 412 وسنة 420 م ، حيث كتب كتابه "التاريخ اللوزياكي", وكان عمره وقتها ثلاثة وخمسين عاماً إذ ظل يخدم في الأسقفية عشرين عاماً، ويقول المؤرخ سقراط أنه أنتقل إلى أشبونه في غلاطية غالباً سنة 417 م ولا يعرف كم بقي من الوقت هناك، ولما أنتهت المعارضة ضد ذهبي الفم سنة 412م عاد بلاديوس إلى غلاطية، هناك كما ذكر التاريخ اللوزياكي تعرف على كاهن يدعى فيلووماوس ويبدو أنه عاش معه زمانا، ويذكر عنه المؤرخ الكنسي سقراط أنه عبر بحر هيلينوبوليس إلى بحر أسيونا ومن الواضح أنه مات سنة 431م قبل قليل من أنعقاد مجمع أفسس سنة 431 م، لأن أسقف المدينة في هذه السنة كان يدعى أوسابيوس.
التاريخ الليوزياكي أو الفردوس Paradise :
وقد كتبه بلاديوس سنة 420 م لوزير البلاط الإمبراطوري لوسيوس Lousus بناء على طلبه، والذي نسبه إليه كتبه ليعطي وصفاً دقيقاً للحركة الرهبانية بمصر والاراضى المقدسة وسوريا وآسيا في القرن الرابع، ولهذا يعتبر من المراجع الهامة الأولى عن تاريخ الرهبنة، ويقول المؤرخون أن لوسيوس كان صديقاً لبلاديوس، ويستدل على ذلك عندما أستقبل لوسيوس القديسة ميلانية سنة 435 م في القسطنطينية عند زيارتها لها فقد سمع عنها من بلاديوس، ويعلق عليه بلاديوس في كتاباته قائلاً: "أنه الرجل الملأن علماً بعقله، والذي حياته يعيشها السلام، ويخاف الرب في قلبه، ويحب الرب من كل قلبه "، ويلقبه عدة اسماء منها "خادم الرب"، "الصديق الحقيقي"، كتب سرداً لحياة العديد من الرهبان في قصص قوية جداً عاكساً قوة الإيمان، ذاكراً ما رآه بنفسه ولم يحاول في كتابه أن يدافع عن الرهبان أو يتردد في ذكر ضعفاتهم، ولم يحب الكبرياء حتى أنه قال في مقدمة الكتاب: "خير لك أن تشرب الخمر مع عاقل من أن تشرب الماء مع متكبر"، وهو لم يتفلسف بنظريات نسكية مع أنه تعلم الكثير ورأى أمثلة تعتبر خيالية لمن هو لا يعرف عمل الروح، ولكنه كتب حقائق وسير.
ويعلق جوني كورداتس في كتابه عن أقوال الأباء: " أنه كتبها بروح مار أوغريس البنطي" الذي تتلمذ على يديه في منطقة القلالي"، وترجم الكتاب إلى اللاتينية وبعدها سهل طبعه طبعات كثيرة والترجمة اليونانية ظلت لفترة طويلة لغز إلى أن قام العلامة المؤرخ بطلر بحل هذا الإرتباك المكتوب سنة 400 م تقريباً، والذي محتوياته هي متشابهة تماماً لمحتويات كتاب بلاديوس، وفيه يتكلم بلاديوس أيضا عن الفضائل والأخلاق الروحية السامية التي لرهبان مصر بل وعن الزهد والتقشف، وقد كان لهذا الكتاب أثراً لا يُستهان به في إنتشار الرهبنة في كثير من جهات العالم، ومن ضمن ما ذكره ويعكس تعداد الرهبان بمصر في القرن الرابع وبداية الخامس، إذ وجد مجمع رهباني يصل إلى الخمسة آلاف راهب يعيشون في صوامع مثنى وثلاث، وهذا بخلاف ستمائة راهب وجدهم منتشرين في منطقة القلالي في وحدها.
ويحكى أنه كان بينهم عدد من الخبازين ومنهم النساجين لنسج الكتان ولعمل الملابس والزراعة للحصول على المحاصيل، وليباع البعض لأجل شراء المستلزمات أو لادخاره للطعام، والبعض يباع للتجار الذين يرتادون المنطقة لشراء ما يزيد عن حاجتهم، والرهبان بينهم مجموعة من الأطباء لمداواة المرضى، والبعض ينسخ ويكتب.
وما أذهله بحق فهو حياتهم الروحية الدينية العالية والإيمان الراسخ، وأعجب بترتيلهم المزامير في الليل حتى أعتقد أنه فعلاً في جنة، وحتى ينقل للقارئ ملامسته للواقع أطلق كلمة Paradise التي تعني حديقة أو بستان على كتابه، وتصور أنه مع هؤلاء الرهبان القمم والبطولات الروحية يعيش في الفردوس، ونسختنا الإنجليزية والتي عربت هي ترجمة لمخطوطة باللغة السريانية وجدها أمين المتحف البريطاني واليس بدج W.Budge بمدينة الموصل سنة 1888 م، ونشرت في كتابين سنة 1904م.





