عساسي عبدالحميد- المغرب
الأسبوع الفارط عرف زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو لعدد من دول بلدان حوض النيل

((كينيا –رواند- أوغندا -اثيوبيا ))...وهي زيارة يمكن تصنيفها في خانة الزيارات الأكثر أهمية و خطورة منذ قيام دولة اسرائيل سنة 1948 ...

في العاصمة  أديس أبابا وعلى هامش لقاءاته مع المسؤولين الاثيوبيين  وتحت قبة البرلمان أبدى نتانياهو رغبة اسرائيل  الجادة في التعاون مع اثيوبيا من أجل تدبير الثروة المائية؛ وجعلها أول دولة منتجة للألبان في العالم؛ والأكيد أن اسرائيل ستحصل على أراضي مؤجرة على غرار دولة الصين الشعبية لتلبية احتياجاتها و ضمان أمنها الغذائي من مختلف المحاصيل الزراعية والحيوانية ..

هنيئا لدولة اسرائيل الديمقراطية بهذا الانجاز الغير المسبوق؛ فقد  دخلت  القارة السمراء عبر بوابة اثيوبيا المربحة و بالتحديد عند نبع النيل الأزرق الذي هو مصدر 90 في المائة من الحصة المائية لمصر ....

اثيوبيا التي عرفنا عنها الجوع و الخصاص والأمية والتخلف حتى الى عهد قريب ؛ كانت وكالات الأنباء تنقل لنا الوضع المزري بهذه الدولة صوتا وصورة؛ وكنا نرى أشلاء مواطنين تدب على قوائمها الأربعة  كهياكل عظمية ؛وكانت ضباع و نسور اثيوبيا القمامة تقف عند أبواب كل قرية جائعة  منتظرة نفوق أكوام من البشر لتلتهم ما تبقى من جلدها و عظمها؛ ها هي اليوم اثيوبيا نمر افريقي واعد مفتول العضلات مستعد للنط و الصيد  ..

نعم هذه هي اثيوبيا الان التي أهملها عبد الناصر ورفاقه بعد ثورتهم الملعونة؛ و فضلوا أن يتزعموا العرب لرمي اسرائيل في البحر على أن يدخلوا في شراكات ومشاريع مربحة مع دولة ينبع من هضابها نهر مقدس عريق قامت على ضفافه حضارتين رائعتين الفرعونية و الأمهرية؛ و عرف بروز كنيستين أغنتا الجانب الروحي للانسان؛  الكنيسة القبطية والحبشية؛ هذه الأخير ة تعتبر الابن الشرعي للكنيسة المصرية ...

تشترك مصر مع اثيوبيا خاصية تواجد تاريخي للعنصر اليهودي على أرضيهما؛ ففي مصر كان العبرانيون يعيشون  مع الفراعنة وتمصروا  و شاركوا في بناء مصر  واغناء الحياة العلمية والسياسية للبلد؛ منذ عهد اخوة يوسف حتى خروجهم بقيادة النبي موسى؛ و اثيوبيا عرفت هي الأخرى تواجدا تاريخيا مؤثرا لليهود الذين ينحدر منهم اليوم يهود الفلاشا ..كما أن الملك الحبشي "منيليك الأول" يعتبر أو امبراطور يهودي يحكم الحبشة بعد وفاة والدته "ماكيدا"  زوجة النبي سليمان؛ و يرجع له الفضل في جلب تابوت العهد بعد زيارته لأورشلايم القدس وهو في زيارة لوالده ...كما أن الامبراطور الاثيوبي '' هيلاسيلاسي " (( 1892-1976  )) كان من سلالة الملك العبراني سليمان ابن داوود ابن يسى البيت لحمي.(....) 

مكمن قوة مصر يتجلى في محورين اثنين؛ ثقافة الهرم ومنابع النيل ؛ وما من قوة تحاول سلخ مصر عن هذين البعدين الا وترتكب في حقها جريمة عظمى؛ و هذا ما تفعله قيادات مصرية في الأمن و الجيش ومواقع الدولة السيادية و مؤسسة الأزهر التي يتزعمها شيخ يرفض تجريم داعش و يبكي لمسلمي بورما ولا يدين حرق كنائس الأقباط وتعرية وسحل نسائهم؛ كل هذه المافيات والأذرع السامة سواء في أمن الدولة أو الحقل الديني الأزهري انخرطت  كلها في مشروع وهبنة وتغريب  مصر؛ وهو مشروع  تموله المملكة العربية السعودية منذ عقود برعاية ملوكها و أمرائها ومشايخها ...

 الى عهد قريب كان البابا كيرلس يحظى باستقبال الملوك من طرف الامبراطور الاثيوبي " هيلا س هيلاسي " الذي كان ينحني أمامه باجلال و احترام يفوق حد الوصف؛ وكذلك كانت مشاعر أساقفة اثيوبيا و شعب كنيسته اتجاه الباب كيرلس  و الكنيسة القبطية المصرية ...مشاعر احترام ومودة ....

قرأت وتتبعت العشرات من تحليلات فاعلين مصريين في الحقل الاعلامي والسياسي و الاقتصادي بخصوص زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأخيرة لبلدان حوض النيل وعلى رأسها اثيوبيا؛ ومدى تداعياتها مستقبلا على الأمن القومي المصري وتأثيرها على الحصة المائية لمصر...

الكثير تطرق للبحيرة الخلفية للسد والتي سيتم تخزين فيها 75 مليار مكعب من المياه ...وهذا سينقص 7.5 من حصة مصر المائية ..و أن اسرائيل ستستخدم ثقلها ونفوذها في المنطقة؛ لدفع الأطراف المعنية (( اثيوبيا مصر السودان))  على توقيع اتفاقية  تكون فيها تل أبيب أيضا  طرفا موقعا بخصوص الحصص المائية لكل دولة بما فيها اسرائيل التي ستصلها حصة من المياه النابع من هضاب اثيوبيا؛ و قد تكون حصة مصر المنقوصة هي التي سيتم ايصالها لإسرائيل عبر  مصر ....

كما سيتدخل الاسرائيليون بخبرتهم العلمية في ميدان ترشيد وتدبير الثروة المائية لمساعدة المصريين في زراعتهم  وأمنهم الغذائي وتزويد المواطنين بالماء الشروب فلن يحس المصريون  أبدا بنقص حصتهم ..تماما كما فعل النبي العبراني يوسف عندما تقلد منصب وزير الاقتصاد والتموين في مصر(( تقول التوراة  : وأثمرت الأرض في سني الشبع، فجمع يوسف كل طعام السبع السنين التي كانت في أرض مصر، وخزن قمحاً كرمل الأرض؛  وابتدأت سنيُّ الجوع تأتي، ففتح مخازنه وباع للمصريين؛ وكان جوع في جميع البلدان المجاورة فجاء منها الناس ليشتروا قمحاً من مصر. ))

أنا وبكل صراحة أتمنى أن يكون هذا السيناريو الذي يقتضي توزيع الثروة المائية بهذا الشكل خدمة للتنمية  ورفاهية شعوب المنطقة  هو الأرجح والأقرب ؛ على أن يكون سيناريو آخر مخيف ومرعب  ودموي يتبناه مهندسو ربيع الخراب لتدمير مصر و تجويعها و تعطيشها و تهجير سكانها.

فعلينا أن لا ننسى بأن اسرائيل نقطة و سط بحر من العرب ؛ و ان بقي الوضع الديمغرافي عما هو عليه فان الدولة العبرانية  ستتلاشى وستغرق وستذوب في هذا البحر المتلاطم ووسط حجر ناطق يأمر المسلم بقتل اليهودي و شجر غردق يخفي بالكاد عورة اسرائيل ....
Assassi_64@hotmail.com