كتب : مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com
في أرشيف التراث الإنساني رصيد هائل ورائع للثقافة الشعبية المصرية ، ويرى أهل التنظير أنها تمثل دراما العديد من الحكاوي والمواقف التي قد تبدو مؤلمة تارة ومضحكة تارة أخرى، ولعل ذلك يعد السبب الجوهرى فى أن الشعب المصرى هو بالسليقة " فُكهي " وساخر ، فالسخرية من أهم الموروثات لدى الشعب المصرى عبر التاريخ ، فهي التي  يجد فيها المادة والمناخ المناسب  للمعارضة السياسية في كل مستوياتها الهرمية  على مر السنين.
 
ومعلوم أن الضحك في النهاية يمثل فائض للطاقة الإنسانية ، وعلى المرء أن يجد له متنفساً ليخرج هذه الطاقة من جسده ، والطاقة الفائضة التى يثيرها الإحساس بالسرور والبهجة لابد أن تبحث لها عن منفذ من خلال الظاهرة الصوتية المتعلقة بعملية التنفس ، والتى نطلق عليها الضحك، وهو ما ذكره " هربرت سبنسر " فى كتابه الشهير  The Physiology of laughter 
 
و لكن ــ للأسف ــ تبدو الدراما الكوميدية في معظمها الآن في غاية السطحية في أغلب ما يتم تناوله من قضايا ، حيث التجريف الجاهل  للقيم الإيجابية  والأخلاق والعادات والتقاليد الأصيلة المصرية ، فهم يرون "الأصالة" التى على أنها لون من التخلف الاجتماعي فى عصر العلم والتكنولوجيا ، ويدعم ذلك التوجه مواقع التشرذم الاجتماعي ، بعد أن أصابها  الترهل و"الاستعباط والاستهبال" حيث الألفاظ الخارجة التى لا يمكن أن تجلب لنا ذلك النوع من الضحك النابع من القلب، والذى له دور مهم فى صميم حياتنا النفسية والاجتماعية المصرية .
 
ولعلنا نتفق مع " صمويل جونسون " عندما  قال: "اختلف الناس فى الطريقة التى يعبرون بها عن حكمتهم، ولكنهم اتفقوا على الطريقة التى يضحكون بها"، والضحك، فوق هذا وذاك، ابتهاج بالحياة، أو كما عبر عنه فولستاف، ذلك الضاحك طيب القلب فى قوله لجمهوره: "تحبون الدنيا؟ .. إذن لاستخدمن فنى فى إقناعكم بأنها هكذا فعلا".
 
والحديث عن الدراما الكوميدية قد يكون هاما مع إبداعات وتاريخ عطاء " بديع خيري " المبدع الأول والمتقن صناعة و حرفة و فن الكتابة الكوميدية المصرية  الرائعة المثال والنموذج الذي ينبغي الإقادة من منهج مدرسته الخالدة .
 
و عن تؤأم روحه ورفيق دربه الإبداعي الفنان " نجيب الريحاني " كتب " بديع خيري " في مذكراته: "عندما جاء دوري للتوقيع على أول عقد مع نجيب الريحاني ضحكت، فسألني عن السبب فأشرت إلى تاريخ العقد. كان التاريخ 18 اغسطس 1918 ، ولم يفهم الريحاني شيئاً، فقلت له انني اضحك لأن تاريخ ميلادي هو يوم 18أغسطس1893... وفعلاً كان هذا العقد هو تاريخ مولدي الحقيقي... تاريخ مولدي المسرحي وتاريخ عمل عظيم وصداقة عظيمة بيني وبين نجيب الريحاني استمرت حتى يوم وفاته سنة 1949".