بقلم : طارق الشناوى

 أيام ما كانت الصحافة صحافة بجد، والصحفيون يحاول كل منهم أن يقتنص العصافير (اللى ع الشجر)، ولا يعتد أبدًا بالعصفور القابع فى اليد، كان الرهان دائمًا على الخيال الجامح، وهكذا كنا نقرأ تحقيقات وأحاديث ومقالات تبتعد عن التقليدى، وتبحث عن المجنون، تخاصم الممكن وتصادق المستحيل، تقفز فوق الأسوار، قبل أن يحين الوقت الرسمى لفتح الأبواب، جمعت جريدة (الأخبار) كلًا من عباس محمود العقاد وهند رستم، هند هى الصحفية التى تحاور الأستاذ، لماذا العقاد تحديدًا فى مواجهة هند رستم؟ الصورة الذهنية للعقاد أنه عدو المرأة، كما أن الجدية واحدة من أهم ملامحه، فما الذى يفعله عندما يجد نفسه فى مواجهة هند رستم؟!.

 
قال لها العقاد قبل أن تبدأ الحوار إن تشبيهك بـ(مارلين مونرو الشرق) يظلمك، فأنت أجمل وأقدر منها على فن الأداء.
 
العقاد لا يعرف المجاملة، وهند رستم فى عز حضورها ووهجها مطلع الستينيات، حتى لو وجدت فى تحليله شيئًا من المغازلة، فإن الأهم أن العقاد لم يرتح لهذا التشبيه، وهو البحث عن أصل أجنبى، ليصبح المصرى هو النسخة المحلية، التى تم (تقفيلها) فى مصانعنا البليدة، غير القادرة على تقديم أى قطع غيار أصلية.
 
الحوار بين هند والعقاد ليس هو بالضبط موضوعنا، ولكن حالة الانسحاق أمام المستورد التى سيطرت علينا- ولاتزال- هى الجديرة بتناولها.
 
قبل أيام جاءت الذكرى الثلاثين لرحيل د. يوسف إدريس، قرأت لعدد من الزملاء وهم يطلقون عليه (تشيكوف المصرى)، ولم يكن د. يوسف- رغم تقديره للأديب الروسى تشيكوف- يرتاح أبدًا لهذا التشبيه، الذى ينفى عنه خصوصية إبداعه.
 
أتذكر أيضًا أن البعض بين الحين والآخر كانوا يطلقون على المخرج الكبير كمال الشيخ (ألفريد هيتشكوك السينما المصرية)، لأن أغلب أفلامه تقع فى إطار التشويق، واستاء الشيخ كثيرًا لهذا التشبيه، الذى يبدو ظاهريًا أنه يصعد به إلى مصاف واحد من أهم مخرجى السينما العالمية، إلا أنه فى عمقه يُنكر عليه تفرده.
 
طوال التاريخ ستجد تنويعات مماثلة، كلٌّ من فاطمة رشدى وروز اليوسف حملتا فى توقيت متقارب لقب (سارة برنار الشرق)، ونجيب الريحانى قالوا عنه (شارلى شابلن العرب)، وبليغ حمدى (موزارت)، وفريد شوقى فى توقيت ما (أنتونى كوين)، ولهذا أعجبنى عبدالله غيث، فى حوار له قبل أربعين عامًا، عندما قدم النسخة العربية من (الرسالة)، وسألوه عن إحساسه بالخوف وهو يمثل نفس مشاهد كوين؟ أجابهم بأنه لم يعرف أبدًا الخوف، وأن كوين هو الذى كان يحرص على رؤيته فى دور سيدنا حمزة (عم الرسول) عليه الصلاة والسلام، التصوير كان يجرى فى المغرب وتدافع المئات من الكومبارس لمكان التصوير، وكأنها مباراة يديرها المخرج السورى العالمى مصطفى العقاد، وبعد أن شاهدوا عبدالله ثم أنتونى كوين صفق الكومبارس وهتفوا باسم عبدالله غيث، الذى قال: (أنا ولا همنى رحت ناتع المشهد من أول مرة) ليقلدنى بعدها أنتونى كوين.
 
من لديه مبدعون فى كل المجالات مثل نجيب محفوظ ومجدى يعقوب وأحمد زويل ومصطفى مشرفة وأم كلثوم وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد شوقى وعمر الشريف ومحمد صلاح، هل ينتظر الشعبطة على أكتاف الخواجة؟!!.
نقلا عن المصرى اليوم