داليدا، المطربة الأشهر في القرن العشرين، والتي لا يزال كل ما يخصُّ فنّها وحياتها مادةً مثيرةً للجميع، تلك المرأة ذات الأصل الإيطالي والنشأة المصريّة والحياة الفرنسيّة، التي فتنت الجميع بأغانيها وإطلالتها على المسرح والشاشة، صاحبة الألف أغنية، لم يصدّق أحد أنها تُنهي حياتها ببضعة أقراصٍ مهدّئةٍ ورسالةٍ صغيرة، كتبت فيها: "سامحوني، الحياة لم تعتد تحتمل".
 
تتحدّث داليدا في إحدى الحوارات التليفزيونيّة عن تلك المرحلة بأنها لجأت للديانات والثقافة الشرقيّة لتتخطّى حقيقة انتحار حبيبها. 
في أوائل القرن العشرين، كانت مصر محطَّ أنظار الكثير من الأسر الأوروبيّة التي فرّت من ويلات الحرب العالميّة الأولى، أو بحثاً عن حياةٍ أفضل، حيث فرص العمل للأجانب متاحة بكثرة، فالمجتمع المصري عندها كان "كوزموبوليتاني" بامتياز، ويتقبّل جميع الأعراق والجنسيات والأديان.
 

التربية المحافظة

 

لأسبابٍ غير معلومة، جاءت عائلتها من إيطاليا واستقرّت في مصر في حي شبرا، لتولد يولاندا في 17 يناير سنة 1933، وتكون تربيتها في الحي الشعبي المصري المحافظ، حيث قيم وعادات وتقاليد المصريين من الطبقة المتوسطة.
 
بحكم انتمائها للطبقة المتوسطة الدنيا تربّت داليدا تربيةً تقليديّة، تحدّد للفتاة خطواتها، وتُعدّها لأن تكون زوجةً وأماً، طبقاً للمعايير الاجتماعيّة المُحيطة. قد يعتقد البعض أن انتماءها لأسرةٍ أجنبيّةٍ لم يكن يحمل ذلك الطابع المحافظ، إلا أن الإيطاليين معروف عنهم بعض العادات المحافظة كالشرقيين.
 
على حسب ما ذُكر عن داليدا وحياتها، كانت تذهب إلى المدرسة، وحينما نضجت بدأ والدها يمنعها من الخروج مع أصدقائها، ولكي تلتقي حبيبها كانت تتحجّج بالذهاب إلى الكنيسة، حتى حينما قرّرت أن تشارك في مسابقة ملكة جمال مصر، فعلت ذلك سرّاً، فلن يقبل أحد أن تُوضع لها صور وهي ترتدي المايوه ويراها الجميع.
 
حياةٌ شبيهةٌ بحياة الفتيات المصريّات، حيث الولع بالفنِّ والجمال، والرغبة في الظهور، تمنعها قيود المجتمع، كما تتشابه حياتها مع العديد من حياة الفنّانات المصريّات في تلك الفترة.
 
في رأيي أن تلك التربية الشرقيّة التقليديّة المحافظة هي سرّ أحزان داليدا الخفيّة واكتئابها، فحينما انطلقت إلى باريس بمفردها، بعد عدّة تجارب سينمائيّة صغيرة في مصر، كانت تحمل داخلها تلك الشرقيّة، حتى وإن بدا أنها تحرّرت منها، فالبدايات تظل منقوشة على الشخصية ومتحكّمة في كل التصرفات.
 
كانت مشاعرها متوهّجة، مشتعلة طوال الوقت، تبحث عن الأمان والدفء الذي غُرس داخلها، حيث منزل به رجل يحبّها وأطفال، قد يقول البعض إنها أمنية عادية لعددٍ كبيرٍ من النساء، ولكن أن تعيشه وتتمنّاه بعقلية امرأةٍ نشأت في مجتمع شرقي محافظ يكون الأمر مختلفاً.
 

متلازمة المهرّج الحزين

 

يُقال إن الفنان يعاني من متلازمة المهرّج، وهي متلازمة نفسيّة في أن يبدو الفنّان أمام الجمهور سعيداً ومبتسماً، وبداخله يحمل الحزن، ولا ترضى الجماهير بديلاً عن الوجه الضاحك.
 
في كل الصور الباقية من داليدا، نجدها غير مبتذلة في ملابسها حتى وإن ارتدت البكيني، كان لديها نوع من الاحتشام في أزيائها، في اعتقادي أيضاً أنه نتاج التربية نفسِها المحافظة المصريّة.
 
 

التعب بالأغاني

 

وكأي امرأة ولدت وعاشت في مصر أو الشرق، باعتقادي، كان كتمان المشاعر عادةً تتربّى عليها الفتاة، فأن تفقد كلّ من أحبتهم بانتحارهم، وأن تخبّئ الحزن داخلها، لتواجه جمهورها كلّ مرّة بابتسامةٍ وأغنيةٍ جديدة، كلّ هذا كفيل بأن يصيبها باكتئاب شديد.
 
 
حتى أن من آواخر أغانيها وهي je suis malade والتي تعني (أنا متعبة)، وهي أغنية كتبها ولحنّها وغنّاها، الفرنسي سيرج لاما، أعادت داليدا غناءها عام 1973، كانت صرخة مستترة عمّا تعانيه وتشعر به من وحدةٍ وانهيارٍ داخلي، وشتان ما بين أوّل أغانّيها bambino وتلك الأغنية في الأداء والبهجة.
 
كانت تحلم داليدا بأن تكون ممثلة لا مطربة، ولكن الأقدار كان لها شأن آخر، وإن تحقّق هذا الحلم في سنواتها الأخيرة بعد اشتراكها في فيلم "اليوم السادس" من إخراج يوسف شاهين، واستُقبل بحفاوةٍ بالغة.
 
في رأيي أن تلك التربية الشرقيّة المحافظة هي سرّ أحزان داليدا الخفيّة واكتئابها، فحينما انطلقت إلى باريس، بعد عدّة تجارب سينمائيّة صغيرة في مصر، كانت تحمل داخلها تلك الشرقيّة، حتى وإن بدا أنها تحرّرت منها.
 
وكأي امرأة ولدت وعاشت في مصر، باعتقادي، كان كتمان المشاعر عادةً تتربّى عليها الفتاة، وأن تخبّئ الحزن داخلها، لتواجه جمهورها كلّ مرّة بابتسامةٍ وأغنيةٍ جديدة، كلّ هذا كفيل بأن يصيبها باكتئاب شديد.
فقدان الحلم بالأمومة واللجوء للأديان الشرقيّة
فقدت داليدا الحلم بالأمومة بعد إجهاضها، حيث كان الإجهاض ممنوع في فرنسا في ذلك الوقت، وفي إيطاليا، فكان من نتاج ذلك أن تفقد قدرتها على الإنجاب للأبد، ما أورثها حزناً وكآبةً لا ينتهيان.
 
نجت داليدا من محاولة انتحار في نهايات الستينيات حينما انتحر حبيبها لويجي تانكو، بعدما فشل في تقديم نفسه في حفل مدينة سان ريمون، وكانت أوّل من رأى جثته هي داليدا.
 
تتحدّث داليدا في إحدى الحوارات التليفزيونيّة عن تلك المرحلة أنها لجأت للديانات والثقافة الشرقيّة لتتخطّى تلك المرحلة، بالإضافة إلى العلاج النفسي.
 
كانت الأديان الشرقيّة أيضاً هي ملاذها لتنقذ نفسها مما أحاطها من صدمات واكتئاب، وفقدان الشغف بالحياة، فهناك فرق بين ما كانت تحلم به، وبين الواقع.
 
انتحرت داليدا بعد ذلك بسنواتٍ كثيرةٍ، في الثالث من أيار/ مايو 1987، بعدما تملّكها الاكتئاب والحزن، وبناءً على متابعتي لقصّتها، أعتقد أن هذا الاكتئاب مرافق لشعور الزحف نحو الشيخوخة دون حبّ أو أطفال، وهذا يعيدني للتربية التقليديّة التي تتعرّض لها كلّ فتاة، خاصّة في الشرق، بأنها "لن تكتمل" بلا شريك وأطفال، وهذا مُحزن أيضاً.