عاطف بشاي
«أحمد عاكف» بطل رواية «خان الخليلى»، الذى برع كاتبنا الكبير «نجيب محفوظ» فى رسم ملامحه الشخصية وسبر أغواره النفسية الملغزة باقتدار وعمق تعتبر نموذجاً جلياً وواضحاً لمريض «البارانويا» بشقيها المتضادين (العظمة والاضطهاد) فيتضح من السطور الأولى للرواية انه كان قارئاً نهماً أدمن القراءة منذ حصوله على شهادة «البكالوريا» وانقطاعه بعدها مضطراً عن استكمال دراسته بسبب أن أباه أحيل على المعاش فى سن الأربعين لإضاعته عهدة مصلحية.. فالتحق «أحمد» بوظيفة صغيرة بمصلحة حكومية لينفق على أسرته.. ولأنه كان طالباً مجداً وطموحاً واسع الآمال فقد رغب فى دراسة القانون وطمع فى أن تنتهى به دراسته إلى مثل ما انتهت «بسعد زغلول» وطوحت به الأحلام، فلما أجبر على الانقطاع عن الدراسة أصابت آماله طعنة دامية أثرت تأثيراً بالغاً فى حياته الاجتماعية والنفسية، فتعاظم شعوره بالمرارة والحزن ووقر فى أعماقه أنه شهيد مضطهد.. وعبقرية مقبورة وضحية مظلومة للحظ العاثر.. يقول فى ذلك «نجيب محفوظ»: «ما انفك بعد ذلك يرثى عبقريته الشهيرة ويحتفل بذكراها بمناسبة وغير مناسبة... ويشكو حظه العاثر ويعدد آثامه حتى انقلبت شكواه فصارت هوساً مرضياً واعتاد زملاؤه أن يسمعوه، يقول بإنكار وهو يتتبع خطى المتفوقين من أقران المدرسة الذين واصلوا دراستهم: «أتعرفون فلاناً الذى يقولون عنه ويعيدون؟!.. زاملنى عهد الدراسة وكان تلميذاً خاملاً لا يطمع أن يدركنى يوماً ما».. أو يهتف متهكماً: «يا ألطاف الله!.. وكيل وزارة!!» ذلك الغلام القذر الذى لم يكن يعى مما يلقى عليه شيئاً..؟! ثم يسرد محدثاً الزملاء عن نبوغه المدرسى وما تنبأ به المدرسون.. وهكذا تلوثت عواطفه بتمرد ثائر واعتداد كاذب بمواهبه، مما جعل حياته عذاباً متصلاً وشقاء مقيماً.. ثم وجدت هذه العبقرية المزعومة نفسها مهملة فى الدرجة الثامنة بمحفوظات وزارة الأشغال...

تذكرت وأنا أعيد قراءة تلك الرواية الجميلة التى كتبها أستاذنا عام (1945) شخصية عاصرتها تحولت «بارانويا» الإحساس بالاضطهاد عندها إلى بارانويا الشعور بالعظمة وادعاء العبقرية والموهبة الطاغية هو كاتب سيناريو مغمور.. متواضع الموهبة يسعى منذ سنوات طويلة إلى الذيوع والشهرة محاولاً أن يفرض وجوده بين أهل كتابة السيناريو فلم يحقق إلا رصيداً هزيلاً من الأعمال المتواضعة القيمة.. ولم ينجح له عمل درامى واحد على المستوى الجماهيرى أو الفنى.. ويعيش على سرقة الأفلام الأجنبية أو أفكار الأفلام والمسلسلات المصرية التى كتبها غيره بعد تحويرها وتشويهها لزوم التمويه وإبعادها عن شبهة السرقة..

ومع بزوغ فجر يوم جديد وبداية عصر الورش الساطع الذى تحول فيه فن كتابة السيناريو إلى «صنعة» يقوم فيها عدد من الصبيان بتوليف الأفلام والمسلسلات بقيادة أسطى يوزع عليهم المهام، فهذا يتناول شخصية البطل وآخر ملامح البطلة وثالث يتخصص فى سبك الطبخة أو الحبكة الدرامية.. ورابع ينقل لغة الشارع السوقية والبذيئة ليزين بها الحوار الدرامى، وهو ما تخصص فيه صاحبنا الذى أصبح وجها مألوفاً فى الندوات الفنية والمهرجانات السينمائية.. والبرامج التليفزيونية التى يصب فيها جام غضبه على المستوى المتدنى للدراما المصرية.. والذى هو نتاج تلك الحروب الخبيثة التى يقودها مشاهير كتاب السيناريو ضده لتدمير غيره وحقداً من تفرد إبداعاته المبهرة التى تهدد عروشهم المتهافتة.. وتطورت حالة «البارانويا» عنده متمثلة فى واقعة مدهشة كنت أحد شهودها.. فقد كنت مدعواً – بطريق الصدفة أو الخطأ – إلى سهرة مخملية من تلك السهرات التى تضم أهل الفن وإذا بشاب أنيق لا أعرفه يميل على أذنى هامساً مؤكداً أن الكاتب الكبير «صاحبنا» سوف يشرف المكان بعد قليل.. وأسرع مهرولاً تاركاً إياى فى حيرة بالغة.. فما علاقتى أنا بالأمر.. ولماذا يخبرنى بقدوم الكاتب الكبير.. إنه ليس صديقاً لى.. ولا يهمه أمرى.. بل على العكس ربما يعتبرنى أحد الغرماء الذين يحقدون على موهبته الفياضة.. وما إن أفقت من حيرتى ودهشتى حتى كان هذا الشاب يميل على أذنى مرة أخرى هامساً مؤكداً أن الكاتب الكبير قد وصل ويقوم بركن سيارته وسوف يهل علينا بطلعته البهية حالاً.. وأسرع مرة أخرى تاركاً إياى وأنا أتميز بالغيظ.. ثم انتبهت إلى أنه يميل على أذن الجميع حاملاً إليهم تلك البشارة.. ثم أطل علينا الكاتب الكبير بحلته الفاخرة وشعره المصفف بعناية فائقة وسيجاره الأنيق.. ونظرته الرومانسية الناعسة.. يوزع ابتسامته المقتضبة.. وإيماءاته المقتصدة ولفتاته المحسوبة بعناية وهمهمات تحياته الفاترة التى يمن بها علينا دونما إفراط أو تزيد.. ووقعت عيناه على.. فتفضل بالاقتراب منى مصافحاً.. وأخبرنى وهو يربت على كتفى بأنه يتابع مشاهدة بعض أعمالى الدرامية.. وشجعنى بإطراء طوق عنقى.. ومنحنى وساماً لم أتوقعه حينما بادرنى بأنى أحقق تقدماً واعداً فى مستواى الفنى.. فشددت على يده مبهوراً ممتناً.. ومشيداً بعظيم إشادته الثمينة بى وأنا لم أزل بعد كاتباً مبتدئاً أخطو خطواتى الأولى متطفلاً على عالم الكبار من أمثاله..

Atef.beshay@windowslive.com
نقلا عن المصرى اليوم