أوجع الناس بقدر ما أسعدهم
وجازف بالكنيسة بقدر ما دعمها !!
 
بقلم: دكتور مهندس/ ماهر عزيز
استشارى الطاقة والبيئة وتغير المناخ
 
لا شك أن البابا شنودة هو بابا التناقضات الكبرى، وحبريته التي بلغت الأربعين عاماً تحفل بأضاد مجتمعة على نحو لم يكن بوسع أحد أن يخبر به أو ينبئ عنه، بما يجعل منه شخصاً يعصى على التقييم المنصف العادل، بل ويضع عصره كله على محك التساؤل والالتباس. 
 
كان عصره – إن صحت التسمية – هو عصر الالتباس والتمزق العظيم.. عصر الخطوب والكروب.. عصر التضييق والقنوط.. عصر القلق وزعزعة اليقين.. 
 
لقد كان البابا شنودة أحد أكبر مثقفى عصره.. وتلك لم تكن نعمة صافية أو ميزة خالصة، بل كانت في الوقت ذاته نقمة بقدر ما كانت نعمة.. 
 
فلقد بهر رجال عصره ببلاغته، ولكن البلاغة للأسف انحصرت فعاليتها في المكانة الفردية والذيوع والانتشار الشخصى، ولم تكن لها قوة البتة في الواقع المعاش للناس، أو في قضاياهم الحرجة.. 
 
منحته ثقافته وبلاغته وموهبته الأدبية شهرة وحضوراً قوياً على كل المستويات، لكن الشهرة والحضور القوى كانا لمجده الشخصى وليس لمجد الكنيسة، أو لمجد أيِّ من المنتمين للأرثوذكسية القبطية؛ فكانت ثقافته وبلاغته وموهبته الأدبية سلاحاً ذا حدين.. بقدر ما دعمه في مواقف عديدة، بقدر ما منحه اعتداداً خطيراً بالذات، فلم يستمع إلا لصوت ذاته، وأقصى كل الأصوات المؤهلة المثقفة الأخرى العاملة لمجد الكنيسة، ما أصاب الكنيسة بالانقسام الشديد والضعف.
أقصى الأنبا غريغوريوس، وهو العلامة اللاهوتى رفيع الشأن، وحدد إقامته حتى مماته. 
ففقدت الكنيسة بتحديد إقامته منبراً مضيئاً كان حرياً أن ينير ظلمة الكثير من الانحرافات.
أعلن الخلاف سافراً مع الأب متى المسكين - أحد أهم علماء الكنيسة في القرن العشرين في العالم أجمع- وحَرَّم كتبه، وأطلق عليه ذئاب الهيكل لينهشوا لحمه كيفما استطاعوا لا لشئ إلا لأنه أخذ عليه أنه أطاع السلطان- دون مشيئة منه- في تشكيل مجلس قيادة الكنيسة حين وضعه هو في السجن، فأعمل القصاص فيه سريعاً بادعاء الهرطقةوالمروق اللاهوتى. 
أغاظ القس العلامة إبراهيم عبد السيد حتى الموت، لمجرد أنه كتب بعض الكتب للتنبيه للمخاطر التي حاقت بالكنيسة، وطرح رؤاه الصادقة للإصلاح، فمنع الصلاة عليه عند وفاته بإصرار مرعب، وكان إبراهيم عبد السيد أنموذجاً متكرراً لكثيرين غير معروفين غيره. 
أوقع الحرمان على أستاذ شهير لعلوم اللاهوت كان اسمه جورج بباوى، وتجاوز القانون الكنسى وهو يوقع الحرمان، فأصر على عدم دعوته للمثول أمام مجمع الأساقفة والإدلاء بدفاعه أو شهادته، رغم توسلاته للحضور، وأجاز الحرمان رغم افتقاره لأهم أركانه، وبطلانه واقعياً وموضوعياً. 
أوقع الحرمان على طالب نابه أجاد علوم اللاهوت في الإكليريكية كان أسمه ماكس  ميشيل، وقهره على الخروج من القبطية الأرثوذكسية إلى الأرثوذكسية الروسية، حيث سيم أسقفاً بواسطتها، هو نيافة الأنبا مكسيموس الذى يقوم حالياً بدور رعوى و تعليمى عظيم لأجل جموع غفيرة. 
صارت الحرمانات في عهده بيد الإكليروس كمضغة في الفم، يلوكها الكثيرون بلا أدنى إحساس بالمسئولية الدينية أو اللاهوتية أو حتى الإنسانية، حتى لقد بكت يوماً أمامى إحدى زوجات قساوسة الكنيسة، لأن زوجها القس (المبارك)  يحرمها ويقطعها من الكنيسة عند أي خلاف أسرى أو عائلى.. ربما عدة مرات في اليوم الواحد أحياناً كثيرة!! 
اصطنع تدجيناً كاملاً للمجلس المللى، فألغى فى الواقع أية مشاركة ممكنة لأقطاب الفكر والحكمة والتدبير فى الشعب، فصارت تلك سمة رئيسية للبنية المؤسسية للكنيسة، يمتنع فيها تماماً أن يوجد على أى حال مجلس استشارى قبطى يمكنه أن يقى الكنيسة عثرات مؤلمة.
سَرَتْ في عهده عملية إقصاء ممنهج لكل صاحب اجتهاد أو إبداع روحى أو لاهوتى، وكانت تساق في ذلك أسباب ظاهرها حماية الكنيسة من الأغلاط والهرطقة، بينما باطنها الدفين - لكنه الظاهر للعيان - ألا يبقى على الساحة إلا المثقف الأوحد، والبلاغى الأوحد، واللاهوتى الأوحد، والواعظ الأوحد، والأمين الأوحد على الإيمان!!!
فسلم الكنيسة من حيث لا يدرى إلى دكتاتورية عقيمة، رانت بظلالها التقييدية على الشعب كله.. فمن دكتاتورية الوعظ، إلى دكتاتورية التعليم، إلى دكتاتورية التفسير اللاهوتى، إلى دكتاتورية الحكم في القضايا الكنسية كلها، مما أسفر عن دكتاتورية الأخطاء التي استبدت بعد ذلك بكل شيء.. وراحت الكنيسة تخسر بذلك خُسراناً فادحاً على كل صعيد: 
فانحرف التعليم الدينى انحرافات خطيرة نحو تكريس الناموس، وسيادة ظواهر الكهنوت اللاوى، من حيث يجب أن يسود عهد النعمة الذى بالمسيح. 
وضعفت الإكليريكية ضعفاً شديداً كنتيجة لازمة للديكتاتورية الفكرية، ووأد البحث العلمى واللاهوتى الحر النزيه.. فكان خريجوها نموذجاً للضعف الشديد الذى ضرب الخدمة في الكنيسة كلها بجيل من الإكليروس المفتقر لأبسط مؤهلات الخدمة الروحية.. 
وتهرأت الرهبنة على نحو مخيف لم تعد معه آية التجرد والخلوص الروحى للـه، بل صارت تكئة للقفز على الأسقفية بأحلام الثراء والأبهة والمناعم والسلطان.. وانحرفت إلى مادية طاغية فقدت فيها الخصائص الروحية السامية للرهبنة المصرية التاريخية.  
وترعرعت الخصومات في الخدمة كلها حين صار التنازع على المزايا المادية الرخيصة هو جل هم رجال الكنيسة.. بل ورهط كبير من الخدام.. وتدفق المال بين أيدى آثمة كثيرة.. وتبعثر السلطان وسط العمائم الفخمة الضخمة، يقبض على كل شيء إلا الروحانية والتجرد ومحبة المسيح.. 
وكان أحد أكبر المثالب التي فتت في عضد الكنيسة كلها هو الجنوح الشديد للتعصب المقيت ضد كل الطوائف، بتضخيم الفروق التعبدية، والصياح الزاعق صباح مساء بحماية العقيدة، حتى لقد كان مندوبه إلى حوارات الوحدة بين الكنائس يهدم بمعول صلب قواعد الوحدة الممكنة، بينما هو يوهم الجميع أنه يسعى إليها..
 
وبسبب مواهبة الرفيعة، والكاريزما الطاغية له، وثقافته العريضة المتنوعة، وقوة شخصيته المهيمنة، انتشر منافقوه على نطاق واسع جداً بقدر ما كثر معجبوه ومحبوه من جميع الفئات والديانات والمشارب.. خاصة الجموع الغفيرة للشعب القبطى الطيب البسيط..
 
وكانت آية النفاق تتعاظم على نحو ممجوج جداً في ليالى الأعياد، حين يقف الشماس المشهور ليقدمه كرئيس للصلاة، فيظل حوالى رُبْع الساعة يتملقه بألقاب العظمة والعلو والتسامى التي لا يقال معظمها إلا في الذات الإلهية، بينما هو لا ينتهره أبداً على هذا الإنحراف، سعيداً فيما يبدو بكل هذا الكم الهائل من النفاق. 
 
لكن الشماس الشهير لا يزال يمارس لعبة النفاق المُخْجِل هذه بنفس الأوصاف، وافتعال العظمة، مع خَلَف البابا شنودة، مما يخشى معه على التوازن النفسى له، ويحيطه في الوقت ذاته بمخاطر الكبرياء والغرور والخيلاء الذى يعوقه حتماً عن أداء رسالته الروحية السامية، والعناية بشعبه المسكين البسيط.  
 
ورغم حصافته في اختيار المؤهلين من البشر للمهام الأساسية، اتجهت اختياراته للعديد من الأساقفة والإكليروس إلى أهل الثقة وليس أهل الجدارة والاستحقاق.. فاختار الكثيرين غير المؤهلين مطلقاً للخدمة الكهنوتية بالداخل والخراج، ووصل به الحد إلى أن رسم سائق سيارته أسقفاً، فكان أشبه بقائد الجيش الذى يعين "عسكرى المراسلة" لديه قائداً لأحد الألوية، فَيَخْرُبُ اللواء تحت قيادته خراباً عظيماً!!! 
 
وقد رَاَنَ سوء الاختيار هذا لقادة الخدمة الكهنوتية بالكنيسة على المجال الروحى والرعوى كله، وتسببت هذه النماذج الضعيفة روحياً ولاهوتياً.. بل وإنسانياً.. في وجع مؤلم جداً للكنيسة.. وهى ذاتها النماذج التي لا تزال تشكل طابوراً خامساً يقبض بيد من حديد على قيم الرجعية الطقسانية اللاويِيِّة، ويعوق الخلاص الروحى للكنيسة، ويعطل تقدمها.. 
 
لكنه رغم ذلك كله كان نموذجاً للقائد الذى يقف بشجاعة وبسالة للدفاع عن شعبه، متبرئاً تماماً من الذمية التاريخية العتيدة التي طالما أذلت بطاركة كثيرين غيره ولا تزال، فلم يجامل السلطان أبداً على حساب المظلومين أو المقهورين أو المغلوبين على أمرهم من شعبه، بل ألهمته شخصيته القوية، وكاريزما قياديته المهيمنة، شجاعته النادرة في مواجهة الخطوب.. فدعا إلى صلاة لثلاثة أيام متصلة في الشعب كله لمقاومة خطر الحكم بالشريعة، التي كانت تطبيقاتها الخطيرة في الحدود - خاصة ما يسمى حد الردة - تهديداً مباشراً لأفراد الأقباط في كل مكان..
 
وطالب السلطان بتمثيل عادل للأقباط في مناصب الدولة، ومشاركتهم الحقيقية في المجتمع.. 
 
وتبنى آلام شعبه فرفع شكاواهم ما استطاع إلى الجهات المعنية.. 
 
ورفع صوته بالاحتجاج الروحى والشعبى في الكوارث التي نزلت كالصواعق على الشعب القبطى في الزاوية الحمراء، والكُشح، ونجع حمادى، والعمرانية، وكنيسة القِدِّيِسَيْن، وماسبيرو، وغيرها وغيرها من النوازل والنكبات.. لكن ذلك كان يحمل في الوقت ذاته مصادمة مع الدولة وأجهزتها أكبر، تركت آثارها السلبية على الأقباط في القطر المصرى كله.. فلقد اعتبره السلطان في حالات كثيرة منازعاً له على الزعامة، خاصة في ظل شعبيته الطاغية التي تجاوزت حدود القطر المصرى إلى المنطقة العربية بكاملها، لدرجة لقبوه معها بلقبه الأشهر "بابا العرب".. 
 
على أن هذه الشعبية الطاغية ذاتها قد شيدها هو في جزء ليس باليسير منها على آلام وحرمان شعبه، فلقد تسبب الشعار الأخرق الذى رفعه بمنع الأقباط من زيارة القدس إلا أن يدخلوها جميعاً معاً – كما كان يزعم – مسلمون ومسيحيون - عندما يعود الفلسطينيون إلى سابق حياتهم عليها قبل عام 1948.. 
 
ورغم إدراكه أن ذلك قد يستمر قروناً دون جدوى، لم يتراجع أبداً عن شعاره الأخرق، مانعاً الشعب القبطى من الحج إلى الأراضى التي قدستها خطى المسيح، وإلى الكنيسة التي فَجَّ فيها نوره العجيب على طول السنين.. وظل أفراد الشعب القبطى أربعين سنة يرون أشقاءهم من المسلمين المصريين قادرين على الحج إلى أراضيهم المقدسة، بينما هم يتحرقون شوقاً إلى أراضيهم المقدسة فيحرمهم منها.. وكان هذا الحرمان ثمناً باهظاً لشهرته الفردية التي يمتدحها القاصى والدانى بوصفه "بابا العرب"!!! 
 
على أن ذلك لم يكن فقط ما حاق بالشعب القبطى المسيحى من جراء شعاره الأخرق.. بل إنه أفجع الناس فجيعة لا نهائية بإلغائه اللائحة رقم 38 في الأحوال الشخصية للأقباط، ومازالوا مفجوعين!!! 
 
لقد كانت هذه اللائحة تقتفى خطى المسيح في معاملته الحنون للبشر.. والذى أعلنها صريحة: 
"أريد رحمة لا ذبيحة"(مت 9: 13).. فَتَبَنَّت اللائحة رؤية المسيح التي استجابت للضعف فأعانته.. وللسقوط فرفعته.. وللخطية فأخذت بالأيدى الملوثة إلى طريق توبتها.. وتسامحت بمرونة الحب وغفرانه مع الطبيعة البشرية الهشة.. 
 
كانت هذه اللائحة تحمل في صُلْبِها تفهماً واعياً لأحوال الامتناع عن استمرار الرباط الزيجى، في عشر حالات جامعة يستحيل فيها استمرار الزواج، فأقرت الطلاق فيها ليسترد الناس سعادتهم الضائعة، فيما يحقق الوعد الإلهى القاطع: " أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ " (يو 10 : 10). 
 
فإذا به يلغى هذه اللائحة إلغاءً مهولاً، ويرفع شعاراً أخرق آخر يعادى روح اللـه كما أعلنها الكتاب المقدس، ويعادى الطبيعة التي لا تستقيم البتَّة فى زيجات بشرية تقوم على الغش والخديعة، أو تتعرض لخيانة العهد، أو تتقوض على صخرة عدم السواء البشرى.. 
 
ألغى أسباب هذه اللائحة ورفع شعار: " لا طلاق إلا لعلة الزنى "، قاصداً بالزنى "ذات الفعل" فقط، بينما هنالك تسعة أسباب أخرى يتجلى في العديد منها الزنى أقبح وأفدح بخيانة كاملة لعهد الزواج.. 
 
ألغى هذه اللائحة وترك الناس على بؤس شقائهم تحت طلاق موقوف يُضَيِّع الحياة كلها فأوجعهم وأوجعهم ولا يزال يوجعهم.. 
 
فإذا سألنا بعد هذا الفحص الخاطف: ماذا يتبقى من البابا شنودة؟ 
نجيب: يتبقى الكثير!! 
  
تبقى كتبه الحافلة بالتأملات الروحية الرائعة التي كتبها بِجُمَاع موهبته الفكرية والثقافية والبلاغية، وبتمكنه الكتابى القدير، كالسهل الممتنع.. 
 
قرابة مائة وخمسون كتاباً كَتَبها في تنوع شامل للموضوعات الروحية واللاهوتية والإنجيلية بفكر تأملى عميق، وتعبير لغوى شائق.. 
 
ويبقى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية انتشرت في عهده في بقاع الأرض كلها بالقارات الست، غارساً  إياها فى هذه القارات لمستقبل يمتد بالكرازة ويتسع باستمرار.. 
 
ويبقى أنه حين جلس على الكرسى المرقسى كان يحمل نذيراً رائعاً بالإصلاح والنهضة، لكن الكنيسة باتت بعد رحيله بحاجة حاسمة لإعادة البناء والنهضة، وفى عوز شديد لبيريسترويكا جديدة تقيلها من الانهيار الروحى العتيد الذى يَنْخُرُ فيها.. 
 
ويبقى كذلك سدنة المعبد الذين يتمترسون فى إرثه للإبقاء على أوضاع الانهيار الروحى والمؤسسى، معتبرين إياها أسمى ظواهر الثبات فى العقيدة وحماية الإيمان، بينما يفعلون فعلهم التخريبى بالكنيسة إلى آخر مدى، ويقفون بالمرصاد لعرقلة أية جهود مخلصة أمينة لإعادة البناء الكنسى.. 
 
وتبقى ذكرى شخصه الفريد الذى ملأ الدنيا وشغل الناس بكل ما له وما عليه، تطرح من علامات التعجب أكثر من علامات الإعجاب، وتثير من التساؤلات الحرجة أكثر مما تقدم من الإجابات.    
 
فلعل هذه الرؤية التى توخت أن تزن بميزان الحق ما له وما عليه، أن تكون عاصماً للذين تحولوا بعد رحيله إلى سدنة المعبد المحاربين عن سيدهم الأرضى الذى رحل، فى مواجهة سيدهم السمائى الذى ينظر من أعلى إليهم بكثير من الإشفاق والرحمة.