سليمان شفيق
لم يكن  ما حدث في الورديان بالاسكندرية من استشهاد رمسيس بولس صاحب محل بلاسيكات و مفروشات . و إصابة طارق شنودة صاحب محل ملابس في العناية المركزة و إصابة عادل بولس صاحب محل خردوات، علي يد قتلة ومجرمين أول ولا اخر الاعتداءات الممنهجة علي المواطنين المصريين الاقباط  وكالعادة تتم احتواء تل الاحداث بمسميات مختلفة ، تارة مرضي نفسيين واخري متشددين وفي كل الاحوال يسميها الاعلام "فتنة طائفية".
 
تسمية «الفتنة الطائفية» إن دلت على شىء فهى تدل على أن النخبة المدنية وافقت ضمناً على تديين القضية. إذا أضفنا إلى ذلك «الحلول العرفية» فهذا يعنى أننا نعود إلى ما قبل الدولة. أما أن تعتمد النخبة المدنية على «بيت العائلة» مثلما حاول بعض المتأقبطين عمل ذلك في احداث دير البرشا ، فهذا يعنى أننا نعود لما قبل الدولة الحديثة!

 ولا أحد يهتم بأن الدولة تتفكك والأمة تتحلل، والسنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك شهدت انتهاء العمر الافتراضى لعوامل الاندماج القومى، ونحن ما زلنا نتحدث خطاباً قديماً عن توصيات العطيفى أو لجنة العدالة الوطنية .. إلخ، وما حدث مؤخرا في قرية البرشا بملوي بالمنيا  ثم في الورديان بالاسكندرية ، اي من الجنوب الي اقصي الشمال ،مؤشرات تنبئ بما لا تُحمد عقباه.

 منذ أكثر من اربعين عاماً أتابع قضايا المواطنين المصريين الأقباط، تارة كصحفى وأخرى كباحث، ولاحظت أن لا أحد ينظر إلى تلك القضية من منظور أزمة الدولة المدنية الحديثة، ولم يلحظ أحد أن أول تجليات الأزمة كان عام 1910 «المؤتمر القبطى» ومن 1910 وحتى «أحداث العمرانية» 2010 مضى قرن من الزمان، وتبوأ الحكم فى مصر أربعة ملوك (عباس حلمى، حسين كامل، فؤاد، فاروق) وستة رؤساء (عبدالناصر، السادات، مبارك وعدلي منصور ومرسي والسيسي ). شهدت تلك الفترة (72) حكومة، (42) فى العصر الليبرالى منذ حكومة بطرس غالى باشا 1910 وحتى حكومة على ماهر باشا 1952 بتكليف من الملك فاروق، و(7) حكومات فى عهد ناصر، و(7) فى عهد السادات، و(9) حكومات فى عهد مبارك، ومن 2010 وحتي الان سبعة حكومات كل ذلك والمشكلة الطائفية قائمة بشكل أو بآخر. فى العصر المسمى الليبرالى، وفى فبراير 1934، فى حكومة عبدالفتاح يحيى باشا أصدر العزبى باشا وكيل وزارة الداخلية الشروط العشرة لبناء الكنائس التى سببت 76% من الأحداث الطائفية. ارتبط ذلك بإسقاط دستور 1923 وإعلان دستور صدقى 1930 وظهور جماعة الإخوان المسلمين وتحالفها مع صدقى.. بل وفى ظل زخم زعامة النحاس للأمة تم «تجريس» حزب الوفد فى الأربعينيات من القرن الماضى على أنه «حزب نصرانى». أسس لهذه الحملة أيضاً الإخوان المسلمون، وللأسف شارك فيها كتاب كبار مثل العقاد، والأخطر أنه فى ظل حكومة الوفد 1950 لأول مرة بعد ثورة 1919 تم حرق كنيستين إحداهما فى السويس والأخرى بالزقازيق وسقط قتيلان من الأقباط. ومن العصر الليبرالى إلى العصر الناصرى، لم تشهد المرحلة أى اعتداءات على أقباط أو على الكنائس، ولكن تم إضافة خانة الديانة للبطاقة الشخصية، الأمر الذى انسحب إلى العديد من الوثائق الأخرى، كما تم حرمان الأقباط من الوظائف العليا فى بعض أجهزة الدولة.. ناهيك عن تحويل جامعة الأزهر من جامعة دينية إلى جامعة مدنية يقتصر القبول فيها على المواطنين المسلمين رغم أنها تمول من أموال المصريين مسلمين وأقباطاً. ثم جاء مشروع السادات بالتحالف مع الإخوان لضرب الناصريين والماركسيين.. وانتقلت ظاهرة الإخوان المسلمين والتديين من خارج النظام السياسى إلى داخله، وتسللت إلى قمته.. وعبر الانفتاح الاقتصادى ضرب السادات الأساس الاجتماعى للمشروع الناصرى، وبدأت البطالة تطل برأسها، وبدأ تهميش الصعيد، مما مهد الطريق اجتماعياً للإرهاب، فى عصر مبارك، خاصة العشر سنوات الأخيرة. لم تعد الدولة مدنية ولا حديثة، بل صارت دولة مملوكية (ظهر مشروع التوريث). وعكس ما يتصور الجميع كانت هذه المرحلة هى العصر الذهبى للإخوان، حيث تم تمكينهم اقتصادياً (السيطرة على 55% من تجارة العملة، و23% من التجارة الداخلية و14% من التصدير والاستيراد ، وبلغت عمليات المضاربة وغسيل الأموال أقصى مدى (راجع حتي الان شركات كانت تمولهم وفق شهادة محمود عزت ). وعلى الصعيد السياسى وافق الإخوان على التوريث مقابل التمكين فى مجلس الشعب، إضافة إلى التمكين الدولى وتأسيس التحالف الإخوانى الأمريكى!!

ورغم ثورتي 2011 و 30 يونيو لازالت قوي التشدد تضغط وتقتل بكل الانواع من تفجيرات الي قتل بالسنجة او الفتاوي المفخخة ،وللاسف ما يحدث مع المواطنين المصريين الاقباط هو مؤشر لتفكك ما تبقي من بنيان الدولة المدنية ولذلك انا اصدق الرئيس السيسي حينما طلب من رئيس الوزراء دولة مدنية حديثة ، بالطبع القضية ليست مشروع يتم بأمر او بقرار بل بنهضة بل وثورة ثقافية وتعليمية وحداثية الخ .

والي ان يحدث ذلك لابد من اعمال القانون والمواطنة لانهما اساس تكوين تلك الدولة .