بقلم فيفيان سمير 
 
ضحك ضحكة عالية عندما اخبرته انها قررت ان تعمل معه في مكتبه الهندسي، صحيح هي تلميذته المتفوقة، التي لفتت نظره وحظيت بأعجابه لتميزها عن زملائها حين كانت طالبه بكلية الهندسة، وتخرجت بتقدير جيد جدا ومرتبة شرف، لكن كان ذلك منذ أكثر من خمس وعشرين عاما، ولم تعمل منذ ذلك الحين لأنه تزوجها. 
 
استغرقتها حياتها الزوجية وتربية الاولاد، وتحمل مسئولية بيتها لغياب زوجها الدائم وانشغاله بالتدريس ومشاريع مكتبه الخاص، التي كانت تستدعى سفره احيانا لعدة ايام، اما الان وبعد ان كبر الاولاد وانشغلوا بحياتهم فقد فرغت حياتها، وأصبح تحقيق حلمها في العمل واثبات ذاتها ممكنا. 
 
اجابها بأن الوقت تأخر كثيرا، فلم تعد تصلح لبدأ هذا العمل الشاق الان، واغلب الظن انها لم تعد تتذكر شيئا مما درست، استمر بضحكه ساخرا من رغبتها الطارئة، غادرها معتقدا ان الموضوع مجرد خاطر عابر وانتهى. 
 
في صباح اليوم التالي وجدها جاهزة للخروج معه وبدأ العمل، بل ومصرة عليه، فأستسلم أمام إصرارها واصطحبها معه على مضض، وهو متأكد بينه وبين نفسه انها لن تحتمل مشقة العمل، وستعود سريعا لبيتها ودنيتها الصغيرة. 
 
بعد وصولهما المكتب وترحيب العاملين بها، أنشغل الجميع كلا بعمله ووجدت نفسها جالسة إلى مكتب لا تفعل شيئا، ولا أحد يهتم بأسناد أي عمل لها فقررت أن تبادر هي باقتحام دائرتهم المغلقة دونها. طافت أقسام المكتب المختلفة واستقرت بغرفة التصميمات، حيث وقف زوجها يتجادل مع أحد مهندسيه حول لوحة، لكل منهما وجهة نظره التي يدافع عنها، أمسكت باللوحة وبدأت ترسم دون التدخل في نقاشهم، بعد قليل أنتبه زوجها لما تفعل، وقبل أن ينفعل بغضب لأفاسدها اللوحة لفت نظره ما رسمت، كان الحل الأفضل من طرحه وطرح المهندس الذي رسم اللوحة، لدهشته مازالت تمتلك تلك الملكة المتميزة في أضفاء لمسة جمالية ساحرة لتصميم أصم حاد الملامح، تَبدل ضيقه لابتسامة الأستاذ أمام تفوق تلميذته، مع ذلك لم يسلم بقدرتها على العمل، تغيرت تكنولوجيا التصميم والبرامج المستخدمة التي لا تعرف عنها شيء، ومن الصعب تعلمها واستيعابها بعد أن شارفت الخمسين من عمرها. 
 
إرضاء لها ولإشباع رغبتها، أسند زوجها لأحد مهندسي المكتب مهمة تدريبها وإعطائها بعض المهام الخفيفة، فلم تلبث أن أصبحت بعد قليل الجوكر الذي يستعين به الجميع لمعاونته، وأخذ رأيه، ثم زاد حجم عملها، وبدأت تصميم مشاريع صغيرة كاملة ودون مساعدة من أحد، زادت دهشة زوجها بتبدل حالها، ونشاطها المتدفق بدلا من تعبها وضجرها واستسلامها لحياتها المغلقة. 
 
كثر حديث مهندسي المكتب عن كفاءتها التي تزداد يوما بعد يوم، ومدح العملاء دون معرفة أنها زوجة صاحب المكتب، وهو يسمع ولا يكاد يصدق ما يسمعه، رغم اقتناعه التام بحقيقته. تحول شجارهما لمناقشات ممتعة حول العمل، وجدا شيئا مشتركا يجمعهما معا، حتى الخلاف في وجهات النظر يثرى الحوار ولا يفسد الود بل يقربهما. 
 
مشاعر جديدة تغمره كأنه لم يراها من قبل، يطيل النظر إليها، يريد أن يتأكد أنها زوجته، التي أكتشف أنه لم يعرفها، أين كان يختبأ هذا المارد، من أين أتت كل هذه الطاقة، كل هذه الإمكانيات والحس الذي لا يكتسبه كثيرين إلا بعد سنين طويلة من الخبرة وممارسة العمل، هذه الروح التي تبث الحياة في كل ما تمتد اليه يدها، المكتب أصبح له طعم مختلف، رائحة مختلفة، نبض يضخ دماء جديدة، وهج ساحر يُطفى جمال وحيوية لكل تفصيله مهما كانت صغيرة. أصبح يراها بعين مختلفة، العين التي احبت ابنة العشرين. 
 
لاحظت تلك النظرة في عينيه، أخذتها لأيام الحب الأولى، التي افتقدتها سنوات طوال، هذا الهيام الذي كان يداعب خيالها في بداية علاقتهما، قبل أن يخبرها أنها ملَكته وأسرت قلبه، ذلك الدفيء الذي يحتويها، يشعرها بالثقة والامان، هل من الممكن أن تعود مشاعر الصبا بقوتها وروعتها؟ أم أن غبار السنين يخفيها فقط، وكل ما تحتاجه لمسة تزيل عنها الغطاء القبيح فيضوى بريقها من جديد.