كتب : مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com
معلوم أن تزايد مظاهر التطرف في مجتمعاتنا - وقد أسهمت عدة عوامل في وجودها - تجعلنا نقدر أن ضرورة مواجهتها ينبغي أن تتنوع أشكالها وأدوارها ، فكلما زادت وتيرة العنف البادية في تلك المظاهر في مجتمعاتنا ، ازدادت الحاجة إلى تطوير آليات ووسائل المواجهة، بهدف توسيع مساحات التنوير والتسامح، والانفتاح في ثقافتنا ومجتمعنا، وهو الأمر الذي يقلص -متى تم انتشاره وتعميمه- من أدوار التطرُّف والمغالاة وأدوار بعض الفقهاء الذين يمنحون أنفسهم امتيازات مانحي صكوك الغفران، وذلك بإصدارهم فتاوى التكفير والجهاد ومخاصمة العالم.
 
لا يتعلق الأمر في موضوع الحماس لتفعيل قيم التنوير في مجتمعنا اليوم، إعادة ممارسة لتجربة تمت في التاريخ، والأنوار لا تزال اليوم مطلبًا كونيًّا. وقيم عصر الأنوار التي نشأت في سياق تاريخي محدد في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوربا، تتعرض اليوم لامتحانات صعبة ومعقدة في سياق تاريخها المحلي، وسياقات تاريخها الكوني، وذلك بحكم الطابع العام لمبادئها، وبحكم تشابه تجارب البشر في التاريخ، وتشابه عوالمهم الروحية والمادية وعوالمهم التاريخية في كثير من مظاهرها وتجلياتها.
 
يطرح مشكل تنامي إ التطرف في واقعنا مطلب المواجهة بالتنوير والنقد؛ حيث لا يمكن أن تُحَوِّلَ جماعات معينة التجربة الروحية في التاريخ  إلى تجربة متحجّرة مغلقة.
 
 إن فشل مشاريع الإصلاح الديني والإصلاح التربوي في فكرنا يُعَدُّ من بين العوامل التي كرست –وتكرس- مثل هذه العودة العنيفة إلى المعطيات العتيقة في تراثنا وثقافتنا.
 
ولعل ثقافة مجتمع تتجسد فردياً ومجتمعياً في المفاهيم والقيم وظواهر السلوك والممارسات المعنوية والعملية، والحياتية المختلفة، توحدها اللغة في المجتمع الواحد، وان تنوعت بتنوع فئات هذا المجتمع من حيث مواقفها الاجتماعية والفكرية، بما يشكل الخصوصية الثقافية والوطنية .
 
ومن هنا ندرك أهمية العمق الثقافي، فهو الذي يحدد عناصر الشخصية الوطنية وملامحها، ويرسم صورتها في المستقبل. وبما أن أهدافنا تتركز حول تقدم الإنسان وتحديث وعيه، فإن ذلك لا يتم إلا عبر اهتمام الدولة بالثقافة، ذات الأبعاد المتنوعة على أن يتم  التركيز من خلالها على غرس وتنمية الثقافة الوطنية، التي تتجاوز الحسابات الخاصة دون أن يكون هنالك تدقيق في من يستحقها وبل من ينظر لها، في سياق ما يعرف بجوائز الثقافة .
 
لابد من تجاوز التعامل مع الثقافة كمنتج وظيفي ليس مرتبطا بشكل عضوي بحركة المجتمع وثقافته، وفي ذات الوقت كينونته وصيرورته التي تحكم منظومة حركته في الاجتماع والسياسية وتاليا الثقافة، ولأمر لا يقف عند المؤسسة الرسمية، أي –الحكومة وحدها- بل يمتد إلى الهيئات والروابط الثقافية التي تتبع المجتمع الأهلي والمدني فهي أيضا غارقة في هموم تتعلق بالتمويل والخلافات التافهة الداخلية بين أعضائها كذلك الحسابات السياسية الضيقة التي تجعل من المسألة الثقافية مسألة ثانوية في حقيقة واقع تلك المؤسسات الأهلية .