كتب – روماني صبري 
كتب المطران كريكور اوغسطينوس كوسا، أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك، رسالة رعوية جديدة جاء فيها : 
 
مع دخول العذراء مريـم إلى هيكل الرب ، أصبحت هي قدس الأقداس لأنه في أحشائِها وبواسطة الرُّوح القُدُس ولمرةٍ واحدة دخل رئيس الكهنة الوحيدُ والعظيمُ ، كلمة الله وإبنه يسوع المسيح إلى الهيكل "  القديس غريغوريوس بالاماس .
 
اراد الله في مخططه الخلاصي أن يكون تابوت العهد القديم مكرَّماً ، لأنّه صورة للعهد الجديد أعني به : " مريم أمّ الكلمة المتجسّد " . ولكن لم يشأ الله رغم ذلك أن تُعامَل مريم على هذه الأرض بالعظمة التي كانت تستحقهّا، لأنّه لا يريد بالحقيقة أن يكون مختاروه مُعَرَّضين لأخطار المجد الأرضي الذي يعرّضهم له الإكرام الموجّه إليهم من البشر أمثالهم .
 
وقد طُبِّقَتْ هذه الحكمة على العذراء مريـم الكلّية القداسة عندما قالت هي بنفسها : " ورفع المتواضعين " ( لوقا ١ :٢٥ ) . فيجب علينا نحن البشر أن نتعلّم منها ومن إبنها الإلهي أن نحتقر أمجاد الأرض الزائفة ونرغب أن نكون منسيّين عائشين في العزلة والإحتقار وبعيدين عن أمجاد العالم وأباطيلهِ . من أجل ذلك أراد الله أن لا تكون مريم في حياتها على الأرض معروفة ومكرّمة ، وهكذا اتّجهت بكل بساطة إلى هيكل أُورشليم بدون أي احتفال ظاهر .
 
لم يصطحبها إلى الهيكل غير أبويها ، القديسين يواكيم وحنة برفقة بعض الأهل فقط . غير أنّه كان هناك موكب عظيم لم يشاهده أحد غير العذراء مريم وحدها، وكان هذا الموكب جوقة من الملائكة انضمّت إلى حرَّاسها الملائكة العاديّين ، والجميع يرنّمون معاً للعليّ التسابيح والأناشيد بأنغام شجيّة .
 
أخذ القديس يواكيم والقديسة حنة ابنتهما المكرّمة ودخلوا بها إلى الهيكل ليقدماها للربّ بحسب نذر لهما ، وبعد أن رفعوا صلوات حارة بإيمانٍ وثقة ، قدّموها للرب على يد الكاهن الذي باركها وادخلها الهيكل لتكرِّس ذاتها لله بكلّيتها . ووسط أنوار ساطعة الذي ملأت هذا المكان سمعت مريـم صوتاً إلهياً كان يتقبّل تقدمتها. بعد ذلك قادها الكاهن ووالديها معاً إلى المسكن حيث كانت تتربّى الفتيات فيه على القداسة والحكمة والفطنةِ إلى أن يحين وقت زواجهن .
 
ولمّا دخلت مريـم حجرتها وبقيت وحدها في غرفتها الصغيرة ، سجدت وقبَّلت الأرض التي كانت جزءاً من الهيكل المقدّس وسجدت للسيد شاكرة إيّاه على حِصنها هذا. ثم قالت لملائكتها : أيها الأمراء السماويون ، أصدقائي الأمناء ، أرجو منكم أن تعلّموني ما يجب عليَّ فعله لأتمّم مشيئة الرب وأطيع كهنته ومعلمتي ورفيقاتي . ثم وجَّهت أخيراً لملائكتها هؤلاء الأثني عشر هذه الصلاة التي أوحاها إليها تقواها البنوي : " إذهبوا يا رسُلي القديسين ، إذهبوا وعزّوا والديَّ بوحدتهما، لأنه هكذا سمح لكم الرب بذلك " . فتمّم الملائكة للحال رسالة ملكتهم . وبينما كانت تتكلم مع بقية الملائكة شعرت بفعلٍ إلهي جعلها روحانية وأدخلها في انجذاب حار . وبأمرٍ مِن الله هيّأها السرافيم الذي كانوا بخدمتها بأنوار جديدة ، وبتقوى جديدة لتقبل الموهبة الكبرى، فاختُطفت إلى السماء العليا بنفسها وجسدها وسط غيوم برّاقة حيث استقبلها الثالوث الأقدس أحسن استقبال .
 
فسجدت بحضوره الإلهيّ وعبدته بتواضع عميق للغاية ثم تمتّعت بعد ذلك بالرؤيا الإلهية التي لا يستطيع أي إنسان أن يعبِّر عن مفاعيلها. فقال لها السيد الرب أريد يا ابنتي أن تشاهدي في المرة الثانية المواهب التي أحفظها للنفوس التي سوف تُشترى بدم الحمل الذي سيموت لأجلها. ثم يجب أن تعرفي ما هي الكنوز التي بحوزتي وسأمجّد بها المتواضعين وأُغني الفقراء وأعزّز المحتقرين وأُكافئ كل من يعمل أو يتألم من أجلي .
 
وقد كشف لها أيضاً عن أسرار كبيرة فأجابت العذراء مريـم : " أيّها الرب العليّ والرفيع ماذا ستصبح حقارتي أمام عظمتك، أعترف بأنّني لست أهلاً لكل ما تكشفه لي فأنا لست سوى غبار. تمِّم فيَّ مشيئتك القدّوسة ورغبتك الصالحة وبما أنّك تُقدِّر هكذا الأحزان والآلام والاحتقار كما تُقدِّر الصبر واللطف ، لا تسمح بأن أُحرم من هذا الكنز الثمين وهذه الضمانة الأكيدة لمحبتك ".
 
اليوم في عيد تقدمة العذراء مريـم إلى الهيكل ، نهتف قائلين : " اليومَ فاتحةُ مسرَّةِ الله، ومقدَّمةُ التبشير بخلاص البشر . فإن العذراء تظهرُ في هيكل الله ببهاء ، وتَسبِقُ وتُبشِّرُ الجميع بالمسيح . فلنهتف إليها نحن أيضاً بصوت جهير : السلامُ عليكِ يا كمالَ تدبير الخالق " .