حكايات وأسرار تدفن تحت الرمال مع الأموات، ربما منها أشياء تحدث ولكن لا نراها، وأخرى يشاهدها من يمكثون بين الأموات على الرغم من كونهم أحياء، فيصبح بإمكانهم أن يشاهدوا ويسمعوا أصوات ربما من وحي الخيال، وربما تحدث بالفعل، من بين هؤلاء الحراس محمود الأزهري الذي أفني عمره في خدمة الموتي، طيلة 20 عاما وهو بينهم، لا يخاف منهم ولا يشعر بغربة وسطهم، دائما ما يشعر أنه منهم وهم منه.

 
في الصباح يستيقظ باكرا حتى يتابع ويراقب الأمور، وفي الليل لا يتركهم وإنما يسكن بينهم في غرفة صغيرة من الطوب وسقف خشبي، وعلى الرغم من تلك الإمكانيات المتواضعة إلا أنه يشعر بينهم وكأنه قد ملك الدنيا.
 
عشرون عاما مضت كلمح البصر، ما زال العجوز يتذكر شبابه الذي قضاه وسط الأموات، وكيف كان ينام داخل المقابر، بعد أن كانت تغمر الأمطار غرفته، فلا يجد له مأوى سوى فتح "تربة" والنوم بداخلها إلى جوار من اعتاد على رؤيتهم دوما: "وأنا شاب أوضتي غرقت، فتحت قبر ونمت جواه، الحياة بين الأموات كلها أسرار وحكايات غريبة، لكن كلهم نايمين في سلام ومستحيل يأذوا حد، لكن برضه ده ميمنعش إن أوقات بتحصل حاجات غريبة ملهاش تفسير، لكن أنا بعتبرها كرامات".
 
محمود: "نزلت علشان ألم عضم من تربة علشان أحطه في المعضمة لاقيت جسمه سليم كأنه نايم رغم انه مدفون من 3 سنين"
منذ 7 سنوات كان يعمل الخمسيني في مقابر القطامية، حينما جاء إليه أحد الأشخاص يطلب منه إعداد المدفن الخاص بالصدقة كي يستقبل جثمان أحد الموتي، هم "الأزهري" إلى المدفن وبدأ يهيل التراب عن الموتي كي يخرج الرفات يضعها في المعضمة، كي تتحلل تلك العظام جراء التعرض المباشر لأشعة الشمس، بدأ بإخراج الإناث أولا، حيث يقوم بلف تلك العظام في الأكفان استعدادا لإخراجها، ولكن ثمة شيء غريب كان قد حدث، نزل إلى الجانب المخصص للرجال، وبدأ في تكفين العظام، ولكن فجأة، لمس يد بشرية، أوجس في نفسه خيفة من ذلك الأمر فكيف جاءت تلك اليد المليئة بالحياة إلى القبر، على الرغم من أنه لم يفتح هذا القبر منذ عامين حين دفن أحد الشباب بعد تعرضه لحادثة سير أودت بحياته، نادى صديقه وطلب منه إحضار كشاف آخر كي تزداد الأنوار داخل المدفن ويتمكن من التحقق من الأمر: "دخلنا إحنا الاتنين ملقتش الإيد دي، لكن لاقيت حاجة أغرب من الخيال، لاقيت الجثة زي ما هي متحللتش، اترعبت لأني عارف إن الشاب ده مدفون من سنتين، لكن أنا اعتبرت إن دي كده كرامة له، ورفضت أحطه في المعضمة، وقررت أعمل له لحد وأدفنه تاني وأغطيه بالرمل، وكل مرة كنت أنزل أدفن حد ألاقي جثة الشاب زي ما هي، ده كان نايم مش ميت، مستحيل يكون ميت، جثمانه زي ما هو، ومن بعدها ما شوفتش الإيد اللي ظهرت ليا دي تاني".
 
لم يسمع "الأزهري" أصواتا غريبة طيلة تلك المدة، وذلك لأنه يعتبر أن من يردد أنه كان قد سمع أصواتا داخل المقابر فإنه لا يقول الصدق وإنما ذلك من وحي الخيال. 
 
يد بشرية تظهر وتختفي فجأة 
يمسك بطرف الحديث أحمد صلاح، 57 سنة، تربي بمقابر الغفير، ويقول إن أغرب المشاهدات التي رآها هو طلب أحد أبناء متوفي أن يفتح القبر علي ابيه، مؤكدا أنه كان قد رآه في منامه يناجيه ويطلب منه أن يفتح القبر ويخرجه: "رفضت أفتح على الميت، لأنها مسؤولية كبيرة"، ويضيف: "أوقات بسمع أصوات غريبة لكن ده عادي اتعودت على كده، وبقالي سنين بنام في الترب".
 
منذ عشرين عاما، علم "صلاح" أن هناك جنازة تتوجه إليه فبدأ في تجهيز المدفن وحينما وصل، ودخل معه القبر، شم منه رائحة ذكية لم ينسها طيلة تلك الأعوام: "مش قادر أنسى ريحته اللي، كأنها من الجنة، وفيه لغة بيني وبين الميت بحسه أوقات بيطلب مني أدعي له، أو إني أستر عورته قدام أهله". 
 
صوت سمعه "صلاح" داخل المقبرة 
يتذكر الخمسيني ذلك اليوم الذي نزل فيه إلى حجرة الدفن كي يعدها لاستقبال جثمان آخر وبدأ في تحريك عظام رجل متوفى منذ 5 سنوات، وفجأة سمع صوت غريب يقول له "أبعد عني بقي"، شعر العجوز برعب شديد ونادى علي أحد أبنائه كي يقف بجواره وهو يعد القبر: "قولت لنفسي أكيد دي تهيئات وجمدت قلبي وكملت عادي".