د. مينا ملاك عازر
كلمة ناغورني تعني بالروسية جبال أو مرتفعات، أما كلمة قرة باغ فتعني الحديقة السوداء، فلذلك يمكن ترجمة الاسم إلى جبال الحديقة السوداء، ويعرف الإقليم باسم ارتساخ في أرمينيا، وهي كلمة مكونة من جزئيين الأولى أرا وهو إله الشمس عند الأرمن القدماء، والكلمة الثانية هي تعني الغابة أو الكرمة، لذلك يعني الاسم الأرميني غابة أو كرمة الإله أرا، أما الأذر فيعرفونها باسم بخاري قرة باغ أي قرة باغ العليا.
 
يقع الإقليم في قلب الأراضي الأذربيجانية، وعاصمته سيتابانا كيرت نسبة للزعيم الأرميني البلشفي سيتبان شوماهان، تبلغ مساحة الإقليم 4,800الف كم2، ويبعد عن باكو عاصمة أذربيجان حوالي 270 كم غرباً، يغلب على الإقليم الطبيعة الجبلية، كما توجد بعض الأنهار التي يستخدم ماءها في إنتاج الكهرباء والري، وهو إقليم فقير في موارده الاقتصادية، ويعتمد النشاط الاقتصادي على الزراعة وتربية الماشية وبعض الصناعات الغذائية من المحاصيل المشهورة الحبوب والتبغ.
 
يقطن الإقليم حوالي 145 ألفا يمثل الأرمن الأغلبية الساحقة من السكان حوالي 95%، يتبعوا كنيسة الأرمن الأرثوذوكس، وقد كان الإقليم نقطة التقاء عدة إمبراطوريات كالإمبراطورية الروسية والعثمانية والفارسية، نشبت بينها العديد من الحروب التي كان مسرحها الإقليم، مما جعل الإقليم مسرحاً لعدة تغيرات في تركيبته السكانية، وقبل النزاع على الإقليم في عام 1992 كان الأرمن يقطنون مدينة سيتباناكيرت ويقطن الأذريون مدينة شوشا عاصمة الإقليم قبل العهد السوفيتي.
 
يعلن الإقليم نفسه على أنه جمهورية مستقلة، ولكنها لا تلقى الاعتراف الدولي، وقد أُجريت انتخابات في الإقليم في أغسطس 2002، وقد فاز بها ركادي غوكاسيان. 
 
تبدأ جذور الصراع في الحقبة السوفيتية في عشرينات القرن الماضي، حين قام جوزيف ستالين بتطبيق سياسته في التفريق بين العرقيات، وإشعال نار العداء بينها وتفتيت قواها، فقد تعمدت السلطة السوفيتية في عام 1923، ضم الأقلية الأرمينية سكان كاراباخ داخل حدود أزربيجان، وبحدود إدارية تُرسم لتجعل كل ما يحيط بها أذرباجينياً رغم رغبة السكان في التبعية الأرمنية، وفي المقابل تظل الأقلية الأذربيجانية في إقليم ناختشيفان  معزولة داخل جمهورية أرمينيا بالإضافة إلى أن السلطة السوفيتية منحت "كاراباخ" صلاحية الحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، وهو ما كان أشبه بقنبلة موقوتة. 
 
ظل هذا الوضع مجمداً، فظلت السياسات القمعية السوفيتية وإرهاب الحديد والنار إلى أن تراخت القبضة السوفيتية في عهد جورباتشوف، وفي فبراير 1988، تجرأ المجلس السوفيتي الكاراباخي، وطلب من موسكو انضمام ناجورنو كاراباخ إلى أرمينيا، وبالطبع اعترض القادة الأذريون لدى سلطة موسكو وسرعان ما تشابك الأذر مع الأرمن في كاراباخ لتتحول الاشتباكات بسرعة فائقة إلى حرب أهلية تركت قتلى وجرحى ولاجئين على كلا الجانبين، وفي ديسمبر 1989، ازداد الموقف تعقداً بإعلان المجلس السوفيتي الأرمني توحيد إقليم "ناجورنو كاراباخ" مع جمهورية أرمينيا
 
وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي في الخامس والشعرين من ديسمبر لعام 1991، أعلن الانفصاليون في إقليم "كاراباخ" في مطلع 1992  الاستقلال عن أذربيجان، ورفض الانضمام إلى ارمينيا، ومدت أرمينيا مقاتلي كاراباخ بالسلاح والرجال، بل توغلت قواتها داخل أذربيجان كما احتلت الشريط الأرضي الفاصل جغرافياً لقرة باغ عن أرمينيا، ويسمى رواق لابين، وكذلك أراضي 6 مقاطعات أخرى شرق وجنوب قرة باغ، واحتلت 20% من إجمالي أراضيها في منتصف 1993، وكانت النتيجة أن فر مئات الآلاف من السكان الأذريين هرباً من القوات الأرمينية الغازية، وانتقل اللاجئون إلى معسكرات كثيرة منها حول العاصمة الأذربيجانية باكو.
 
ساند الروس أرمينيا في هذه الحرب كثيراً، مما سهل من النصر الذي حققه الأرمن، وفى مايو 1994 قبلت جميع الأطراف -بما فيها أذربيجان المحتلة أراضيها- اتفاقاً لوقف إطلاق النار، والاحتكام إلى المفاوضات السلمية حقناً للدماء، وكان الوسيط الرئيسي في المفاوضات الاتحاد الأوربي الذي فوض مجموعة من الدول برئاسة فرنسا والولايات المتحدة وروسيا للاجتماع في مينسك –عاصمة بيلا روسيا- لبدء التفاوض، من جانبها أعلنت الميليشيات الأرمنية جمهورية ناجورنو قرة باغ  التي لم تعترف بها أي دولة، إلا أن أرمينيا تعاملها كجزء منها. 
 
أنا لست هنا لأفصل في الأزمة الدولية التي عجزت الكثير من دول العالم حلها، والتي ما أن تهدأ إلا وتعود دول ذات مصالح في النفخ في نيرانها، لكنني سردت كل هذا لأشرح لسيادتك كيف أن الاستعمار وقوى الاستبداد فعلت في الشعوب بسياساتها العنيفة والخرقاء، ورأينا ذلك في أفريقيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي وكل دول امتدت إليها يد البطش والظلم، والبحث عن البقاء أطول مدة في سدة الحكم.
 
المختصر المفيد الشعوب يجنون ثمار عنجهية وجنون من يدعون الزعامة للأسف.