بقلم:  المهندس باسل قس نصر الله
 
الشباب بالنسبة إليّ ليس مرحلة عُمرية، بل هو صفة، فمن تحلّى بها كان شاباً، وإن بلغ من السنين عتيّاً، والشباب ليس مرحلة انتقالية فقط، بل هو فترة نعمة حقيقية لنموّ الشخصيّة.
 
قبل أن نطلب من الشباب شيئاً، علينا أن نحميهم وهم يكبرون، ونؤسّسهم بسلاح العلم والتربية الجسدية الصحيحة، ونؤمّن البيئة الصالحة لنموّهم الطبيعيّ، وهم عندما يصبحون في مرحلة الشباب - بعد الطفولة والمراهقة - تبدأ لديهم الأسئلة حول الكثير من الأمور الحياتية والمستقبلية والماورائية وغيرها.. أسئلة تراود عقولاً شابة متحفّزة للوثوب إلى عالم المستقبل. لذلك، الشباب بحاجةٍ إلى من يسمعهم ويُجيبهم، ويتلمَّس أوجاعهم، ويناقشهم، ويُقدّم لمشاكلهم حلولاً عملية.
 
كلّهم عانوا من الأزمة الَّتي ضربت سوريا، وهي عسكرية وسياسية، ثم اقتصادية وطبّية، وكلّهم كانت لهم رؤى ووجهات نظر وطروحات، ولكنهم لمسوا الخراب في سوريا عامة، هذا الخراب الذي كان خراباً في البناء، وخراباً في النفوس، وخراباً في إنسانية الإنسان.
 
كان دور الأديان المهمّ - الإسلامية والمسيحية - هو المحافظة على إنسانيتهم واستمراريتهم وديمومتهم. وكان إصرارها على أن تجمعهم مع بعضهم بعضاً، ولبعضهم بعضاً، شيئاً إيجابياً، وكانت مصرّة على إيمانهم الديني، لأن الانتماء الديني يعني موقفاً من الحياة.
 
وكانت المؤسّسات التربوية الدينية تستقبل شباباً من ديانات مختلفة، وهي بعيدة كلّ البعد عن الرغبة في ضم الآخرين. ولكونها أدوات ثقافة لا تُقدر بثمن لتنشئة الشباب على المعرفة، فإنّها تُظهر بطريقة جليّة الإمكانيَّة القائمة في الشرق الأوسط للعيش معاً في ظلّ الاحترام والتعاون، من خلال التربية على التسامح والبحث المتواصل عن المزايا الإنسانية.
 
لقد أضحت فئة الشباب في مطلع القرن الحادي والعشرين في الشرق الأوسط تُشكّل الغالبية الساحقة من السكّان. وليس ثمة مغالاة في القول إننا بحاجة إلى ثقافة حوارية، وخصوصاً في صفوف الشباب، تبدأ بعملٍ ميدانيّ مشترك. وهنا يكمن الدور المهم للجمعيات الكشفية والشبابية بمخيَّماتها وورش عملها.
 
كانت المشكلة التي عانيناها خلال الأزمة السوريَّة هي الهجرة الكبيرة، وخصوصاً ما لمسناه الآن من هجرة الفئات الشابة، فما أسهل الهجرة على الشباب! لأن الهجرة أو الاغتراب بالنسبة إليهم يعني رفض الواقع المرعب والمخيف وغير الواقعي.
 
ما هو المستقبل بالنسبة إلى الشباب، وهم الذين سيصنعونه، وسيواجهون مشاكله التي أستطيع حصرها - بالنسبة إلى سوريا - في نقطتين؟
 
- المشاكل الاقتصادية والعمرانية والزراعية والصناعية وغيرها من المشاكل التي يلزمها المال.
 
- مشاكل التطرف والإرهاب والانحلال الخُلُقي، والتي يلزمها شبابٌ بعقولٍ منفتحة ومثقّفة وذكية وإنسانيّة وعالميّة.
 
يتعلّق دور الشباب بالنقطة الثانية بشكل كبير. ولذلك، يلزمهم العلم واللغات والثقافة، ويجب تفهّمهم، لأنَّ الاتجاه المادي المسيطر على المجتمع... يُشعر الشباب السوري بأن كلّ شيء يتحول إلى سلعة وتجارة. لذلك، تثور لديهم النزعة لمواجهته، إضافة إلى رغبتهم في التعبير دفعة واحدة عن كل ما يجيش في أنفسهم وعقولهم.
 
كما أن التغيرات السريعة الفجائية على صعيد الأحداث السياسية في المنطقة، جعلت الشباب يلهثون وراء الومضة العابرة ذات الطابع الآني والعادي، وذلك واضح من خلال كتاباتهم القصيرة والمختصرة في مواقع التواصل الاجتماعي، مع الأخذ بالعلم أنَّ الشباب السوري في بداياتهم بوجه خاصّ يكونون أكثر جرأةً في طرح الموضوعات المحرمة في عرف المجتمع التقليدي، كما أن الشباب عامة بطبيعتهم يبحثون عن كل ما هو غريب وغير مألوف، لأنه يثيرهم ويجذبهم ويستهويهم، ويجعلهم يشعرون بأنهم مختلفون عن الآخرين ومتميّزون عنهم.
 
يجب أن نضع نصْب أعيننا أن يكون التعليم هو الوسيلة الأكثر قوّة لتخفيف التطرّف والإرهاب والانحلال الخُلُقي والفساد وغيره إلى أدنى حد. والتّعليم يجب أن يتفادى التشديد المفرط على حسنات فئة أو طائفة معيّنة واحدة، ويجب أن يغذّي الأمل، فالشباب يجب أن يتعلموا أضرار التعصّب والدعاية ضد الفئات الأخرى، سواء في دياناتهم أو معتقداتهم أو حياتهم الاجتماعية وغيرها.
 
أيها الشّباب، إنّ العلاقة بينكم ستجعلكم مستعدّين للتعاون بلا تحفّظ مع كل المواطنين، مهما كان انتماؤهم الديني، من أجل بناء مستقبل بلادكم على الكرامة البشرية، ينبوع الحرية وأساسها، والمساواة والسلام في العدالة، وليكن لديكم أمل في المستقبل، تبثّونه لشركائكم وإخوتكم في الوطن، لأنَّ الشباب الذين يكبرون مع أمل بالمستقبل لن يبحثوا عن معنى الحياة في إيديولوجيا الإرهاب.
إذا لم يكن الشباب هم حياة سوريا بكل حقوقهم وحاجاتهم وأمانيهم، وحياة أمتنا بكل حقوقها وحاجاتها وأمانيها، فمن الذي يكون؟
 
إنكم أيها الشباب أمل الحاضر في المستقبل، وأمل المستقبل في الحاضر، ويجب أن نفهم أن المسائل الشبابية ينبغي أن تنطلق من فهم واسع لمشكلات الشعب الّذي يشكّل الشباب قوته الرئيسية وعماد مستقبله.