( 328– 390 م تقريبا )
إعداد/ ماجد كامل
مقدمة
من بين معلمي الكنيسة الكبار يبرز أسم القديس غريغوريوس النيزينزي "328 –390 " Gregorioc piyelologoc كواحد من كبار معلمي الكنيسة في القرن الرابع الميلادي ؛ فهو واضع القداس الغريغوري الشهير الذي تصلي به كنيستنا وله مؤلفات لاهوتية شهيرة كذلك له أشعار عديدة مسجلة باسمه ؛ وفي هذا المقال سوف نعرض لحياته أولا ثم نماذج من فكره وكتاباته

أولا :- حياته :-

ولد القديس غريغوريوس في بلدة ارينز الصغيرة عام 328 من أسرة مسيحية تقية ؛ أبوه كان أسقفا لنزينزا ويدعي غريغوريوس ايضا ؛ وأمه تدعي نونا ؛ اهتم والده بتثقيفه وتعليمه علي ارقي مستوي في عصره فارسله إلى مدارس قيصرية فلسطين والإسكندرية وأثينا ؛ وفي أثينا تعرف علي القديس باسيليوس الكبير وسكنا سويا في حجرة واحدة وتعلقت روحيهما ببعضهما كأشد ما يكون التعلق ؛ تعرف أيضا علي شخص من العائلة المالكة يدعي يوليانوس وهو الذي ارتد عن المسيحية بعد ذلك وعرف في التاريخ بيوليانوس الجاحد ولم يسترح القديس غريغوريوس أليه أبدا حتى دعاه في أحد رسائله (بلية الإمبراطورية الرومانية ) ويخبرنا القديس غريغوريوس عن حادثة غرق تعرضت لها السفينة أثناء الرحلة من إسكندرية إلى أثينا فصلي القديس غريغوريوس صلاة قصيرة إلى الله قال فيها (إليك رفعت نظري يارب ؛ انت حياتي وروحي ؛ انت نوري وقوتي وخلاصي . انت ترهب وتضرب في الكوارث ولكنك تلاطف وتشفي ؛ انت لا تدع المحن تنقضي علينا ألا رافقتها بالمعونة والمساعدة … تلميذك يختطف في سرعة الرياح ؛ يكاد يهلك ؛ استيقظ يا رب هيا إلى وهدئ خوفي ) وبالفعل واثناء صلاة القديس بدأ البحر في الهدوء وكانت سبب بركة وتعزية للبحارة وأعضاء الرحلة جميعا .


وبعد إنتهاء الدراسة عاد إلى بلاده بناء علي طلب أبيه عام 359 واعتمد وبقي فترة يرعي شئون الرعية مهتما بالتعليم والمحاماة ؛ وأشتاقت نفسه إلى حياة الرهبنة والخلوة وجاءته الفرصة عندما دعاه القديس باسيليوس للخلوة بجانبه ؛ وهنا نجد اختلاف الطابع بين القديسين واضحا فبينما نجد القديس باسيليوس يتسم بالنسك والتقشف ؛ نجد القديس غريغوريوس يشكو من البيت الحقير الذي يسكن فيه فيصفه قائلا ( سقفه المترجرج والمدفأة المنطفئة و الاكل القليل والخبز الذي يكسر الأسنان ولولا إمداد اميليا والدة باسيليوس " وكان يلقبها بمغذية الفقراء " لمت جوعا غير أن كل هذه المصاعب كانت تبدو تافهة بجانب الرفقة المقدسة مع القديس باسيليوس )

رسامته كاهنا :-
استدعاه والده مرة أخري ليساعده في شئون الرعاية ؛ وكان رجوعه سبب بركة كبيرة للشعب لما اشتهر عنه من بلاغة وفصاحة ؛ وقام والده بر سامته كاهنا بالرغم من معارضته وكان مما قاله في هذا الشأن "يلزم أن يكون الكاهن بعيدا عن كل رذيلة لان ذلك الشيء الذي يوجد في شخص عادي صغير لا بأس منه يكون في شخص راعي النفوس باهظا وخطرا ؛ ثم يلزم للكاهن أن يكون قلبه مشتعلا بنار الحب الإلهي ؛ وان يكون متفقها في اعظم أسرار الكتاب المقدس ؛ ويكون بارعا فهيما في اسمي قواعد الديانة " وعن ضرورة الإعداد الجيد للكاهن قال عند رسامة صديقه الحميم القديس باسيليوس أسقفا " لا يدعي أحد طبيبا أو رساما إلا بعد أن يكون قد درس طبيعة الأمراض أو خلط الألوان ورسم الأشكال . لكن الكهنة يقامون إرتجالا ؛يحمل به ويولد في آن واحد ؛كالمارد في القصة الخرافية ! إننا لا نصير قديسين في يوم واحد ؛ فالذين ليس لديهم استعداد روحي ولا يعرفون شيئا عن الكهنوت سوي الرغبة في الحصول عليه ؛هؤلاء يطالبون الناس أن يكونوا قديسين ومتعلمين ! ولكن باسيليوس لم يكن هكذا ؛فهو الذي كان يمارس أول وظيفة في الكنيسة وهي فراءة الأسفار المقدسة للشعب لمدة طويلة ؛قبل أن يتقدم للقسيسية والأسقفية "

رسامته أسقفا :-
عرض عليه صديقه الحميم باسيليوس رسامته أسقفا علي بلدة صغيرة تدعي سازيما . ولكن القديس رفض بشدة وحدثت بينهما مراسلات ومكاتبات طويلة حول هذا الموضوع ؛ واخيرا التجأ باسيليوس إلى والده ليخاطبه في هذا الشان فاستعمل الوالد نفوذه فخضع له الابن مكرها وفي ذلك كتب يقول (لقد أحنيت هامتي لا قلبي لقبول هذه الدرجة ) وعند ذهابه إلى سازيما لتولي مهام الأسقفية قطع عليه جنود الإمبراطور فالنس الطريق ليمنعوا ذهابه فرجع غريغوريوس عن طريقه دون أن يمارس أي طقس هناك وذهب لينفرد في قرية صغيرة بالقرب من بلدته خادما لمجموعة من الفقراء هناك ولكن والده لم يتركه في وحدته طويلا بل دعاه ليساعده في أعمال الأسقفية وكان أول عمل عمله أن وقف بين وسط شعبه أعلن انه أتي إلى هنا لمساعدة والده المسن فقط دون أن يطمعوا بدوام هذه الخدمة وتنيح والده عام 374 . أراد الشعب رسامة الابن بدلا منه فهرب غريغوريوس إلى أحد الأديرة وظل متوحدا بها لمدة 6 سنوات مواظبا علي الصلوات والتأملات .


ذهابه إلى القسطنطينية :-
وفي هذه الفترة انتشرت الاريوسية في جميع أنحاء القسطنطينية ؛فاجتمع فلول الأرثوذكسية في المدينة و أرادوا أن يجمعوا صفوفهم تحت قيادة غريغوريوس وبعد الحاحات كثيرة وافق غريغوريوس بشرط انه متي حصلت هذه المدينة علي أسقف شرعي قادر علي تدبيرها فانه يكون معفيا من تدبيرها وبدأ غريغوريوس بتدشين كنيسة صغيرة سماها كنيسة "القيامة " "أنستا زيا" "Anactacia وهناك القي فيها خمس عظات شهيرة عن الثالوث القدوس لقب بسببها بـ "الناطق بالإلهيات" "الثيولوغوس" مما اهاج الاريوسيون فقام جمهور منهم برشق الكنيسة بالحجارة في ليلة عيد القيامة عام 379 فمات واحد أصيب غريغوريوس نفسه ؛ وعندما تولي العرش الإمبراطور ثيودسيوس "وكان أرثوذكسيا" قام بتثبيت غريغوريوس أسقفا علي القسطنطينية عوضا عن الأسقف الاريوسي وظل غريغوريوس قائما علي أعمال الأسقفية في القسطنطينية في كنيسة القديسة صوفيا إلى أن انعقد مجمع القسطنطينية المسكوني عام 381 فطلب غريغوريوس من أعضاء المجمع البت في أمره . فرفض اغلب أعضاء المجمع اعتماد رسامته أسقفا طبقا للمادة 15 من قوانين مجمع نيقية بينما وافق البعض الأخر وحدثت منازعات كثيرة بين الطرفين قام القديس غريغوريوس علي أثرها والقي خطبة قال فيها( إذا كان انتخابي يسبب كل هذه الاضطرابات فاني أوافق أن يكون لي نصيب يونان . فليرموني في البحر لكي تهدأ العاصفة ولو أني لم أهيجها . القوا علي قرعة واطرحوني في البحر وليبتلعني حوت عظيم . إن ذلك سيكون بداية تآلفكم ولو صح عزم الجميع أن يقتدوا بي لتمتعت الكنيسة بسلام عميق . أني لم ارغب أبدا أن أكون أسقفا إذا كنتم ترون أن من الأفضل أن انسحب فاني مستعد أن أعود إلى وحدتي حتى تستطيع كنيسة الله أن تصبح أخيرا هادئة . حتى جسدي الضعيف ينصحني بذلك خذوا ما لم اطلبه قط ولا ارغب فيه أبدا أهيب بكم أن توحدوا جهودكم لكي يجلس علي كرسي القسطنطينية شخص فاضل لديه الحمية من اجل الدفاع عن الإيمان)

أيامه الأخيرة ونياحته :-
فرح القديس غريغوريوس جدا لهذا القرار الذي سيتيح له حياة الوحدة مرة أخرى . فتوحد في أحد الأديرة بمسقط رأسه .وكتب رسائل عديدة ضد الاريوسية كذلك كتب مجموعة من الأشعار إلى أن تنيح بسلام عام 390 ونقل جسده إلى القسطنطينية أولا ثم نقله البابا الروماني غريغوريوس الثالث عشر إلى روما حيث بني له هيكلا بكنيسة القديس بطرس وتعيد له الكنيسة في 24 توت من كل عام بركة صلواته تكون معنا آمين

من أشهر كتاباته واقواله
تنقسم كتابات القديس غريغوريوس الناطق بالالهيات إلي ثلاثة أقسام رئيسية هي :-

1- الخطب .
2- الشعر .
3- الرسائل .

أولا :- الخطب :-
للقديس غريغوريوس حوالي 45 خطبة ؛ألقي أكثرها خلال الفترة من ( 379- 381 م) ومن أشهرها الخطب اللاهوتية الخمس .وتعالج وجود لله وصفاته ؛وحدة الطبيعة بين الأقانيم الثلاثة ؛ تفنيد والرد علي اعتراضات الأريوسين علي لاهوت الأبن ؛ ودفاع عن الروح القدس .

ثانيا :- الشعر :-
وله فيها 38 قصيدة في الثالوث ؛ التجسد ؛ معجزات السيد المسيح ...... الخ . كذلك أيضا له قصائد أخلاقية ؛ وأخيرا سجل سيرته الذاتية في 206 قصيدة ؛ونسب إليه البعض مسرحبة شعرية بعنوان "المسيح المتألم " .

ثالثا :- الرسائل :-
وله نحو 245 رسالة ؛معظمها موجه لأصدقائه

أخيرا نماذج من كتاباته :-
+ الإيمان بكمل العقل ويكمله .
+لا تتهاون بأحد من اجل فقره وعسره
+أن الفقر لشرير ولكن اليسر الرديء اشر منه
+ما احسن للإنسان أن يفتقر فقرا جميلا ولا يستغني غني قبيحا
+تصور انك غنيا إذا كثر أصدقاؤك
+إذا أحببت نفسك كثيرا فلن تقتني صديقا
+الخلق السيئ يبعد عن الله وعن الكافة
+ تحفظ من الغضب فان العقل بعيد عنه
+ستعيش عيشا طيبا إذا ملكت غيظك
+ أن الأدب ميناء الناس أجمعين
+ان الكلمة الطيبة دواء للنفس المريضة
+إما ن تقول خيرا وإلا فاصمت
+أن الصمت افضل من أن يتكلم الإنسان ما لا ينبغي
+أن الزمان يصير للجماعة معلما
+أن العيش هذا هو أن لا يعيش الإنسان لنفسه وحدها
+اهرب من لذة تؤول فيما بعد مضرة
+لا تجعل نفسك أبدا للذة عبدا
+الأرباح القبيحة تصنع المصائب
+لا تؤثر أن تستقصي علي سيئات غيرك
+ عاقب إذا حاكمت ولكن لا يكون ذلك منك بغضب
+أن الصديق الصالح طبيب الأحزان
+لا تحكم وأنت تنظر إلى الحسن بل إلى المذهب
+عصا الصديق خير من كرامة الشرير

والجدير بالذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي ؛ قد تطرق معظم كل لاهوتيين عصره الي قضية العلاقة بين العلم والدين ؛ ففي عصره ؛ ظهر كتاب يوليانوس الجاحد الذي هاجم فيه العقيدة المسيحية ؛ وكان سببا في عثرة كثيرين ؛ فتصدي كثير من اللاهوتيين المعاصرين للرد علي كتابه ؛ وكان منهم القديس غريغوريوس ؛ فكتب كتابا هاما بعنوان " ضد يوليانوس " جاء فيه من ضمن ما جاء " لا اعلم شيئا أعظم من العلم ؛ باستثناء من هو فوق كل شيء الذي هو الله ذاته ؛ فلنحرص إذن علي قوة العلم ؛ فثمة ناس ينسون أنهم عقول مزيفة وجسورة قد تريد أن يشبههم العالم كله لكي يجعلوا لأنفسهم من العلم العام حجة لجهلهم الخاص " ( لمزيد من التفصيل راجع :- جورج مينوا :- الكنيسة والعلم - تاريخ الصراع بين العقل الديني والعقل العلمي ؛ترجمة موريس جلال ؛ مراجعة د .جمال شحيد ؛دار الاهالي للطبع والنشر ؛ دمشق ؛سوريا ؛ الطبعة الأولي 2005 ؛ صفحة 117 ؛ 118 ) .