د. مينا بديع عبد الملك
مؤلف الكتاب هو الأستاذ الدكتور رأفت عبد الحميد أستاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب - جامعة عين شمس والذى رحل فى مارس 2015 تاركًا ثروة حقيقية من الكتب التاريخية ذات القيمة العلمية ومنها الكتاب الذى نحن بصدد عرضه الآن.

تتميز مصر بخصائص وسمات أسهمت بنصيب وافر فى تكوين شخصيتها وفى بناء هويتها عبر تاريخها الطويل الضارب بجذوره فى قلب التاريخ الإنسانى، والزاخر بالأحداث والشخصيات التى تركت آثارها واضحة جلية على وجه الزمان.

وكما يقول د. رأفت عبد الحميد، ليست مصر هى التى تلونت بلون من قَدُم إليها من هنا أوهناك، ولكن العكس هو الذى حدث، فكل العناصر التى جاءت إلى مصر، وقفت مصر إزاءهم موقفين لا ثالث لهما، إما أن تحتضنهم وتحتويهم وتستخرج منهم أفضل ما فيهم، فيصبحوا مصريين بالموطن ثم بالمولد والموطن. ثانيًا إذا طال بهم المقام، وصفا لمصر معهم عيشها، وتلك سمة جمعت بين كل من جعلوا فى مصر قاعدة دولتهم وحاضرة حكمهم، فأعطتهم مصر بالتالى خير ما عندها، وبسطت لهم راحتيها ليعلو هؤلاء بهما لا عليهما، فتزداد رفعة وازدهارا، ولترقى مصر إلى عليين.. ولم نر واحدًا من البطالمة أو أحدا من الطولونيين أو الإخشيديين أو الفاطميين أو الأيوبيين أو المماليك، نازعته نفسه بالحنين إلى أصله الذى منه جاء، ولا دار بخلده يومًا أن يرحل عن مصر عائدًا إلى الديار التى إليها ينتمى، فقد تحول هؤلاء جميعًا فى مصر إلى مصريين موطنًا، ثم مولدًا وموطنًا لذرياتهم وذويهم من بعد، بل إن وقائع التاريخ تسجل أن بعضًا من هؤلاء حارب بالفعل، أو كان على استعداد ليحارب بنى جنسه الذى إليه ينتمى أو بلده الذى منه أتى!. وفى سيرة البطالمة والطولونيين والأيوبيين والمماليك ما يؤكد هذه الحقيقة التاريخية.

لقد استقر رأى المؤلف على عنوان الكتاب «الفكر المصرى فى العصر المسيحى»، فقد كان ذلك واقع الحال الذى تعيش فيه مصر والإمبراطورية آنذاك. أما القول بـ «مصر القبطية» أو «مصر فى العصر القبطى» فهو بعيد عن الحقيقة التاريخية تمامًا، ولا يتفق مع المنطق جملة وتفصيلًا، فليس هناك فى التاريخ ما يُسمى بـ «عصر قبطى» إلا إذا أطلقنا ذلك على التاريخ المصرى كله منذ بدايته المعروفة فى الألفية الخامسة قبل الميلاد، إلى أن تقوم الساعة. لأن كلمة «قبطى» تعنى مصرى، و«القبط» و«الأقباط» تعنى المصريين جميعًا منذ فتحت الدنيا عليها عيونهم قبل فجر التاريخ، وهذه الكلمة «قبط» تعود فى جذورها - على أكثر الأقوال شيوعًا - إلى كلمة «آجبة» أى أرض الفيضان، وهى بذلك تعود إلى أصول مصرية، أو تعبير «حـ ت كا - بتاح» وتعنى «مقر قرين الإله بتاح»، وهو إله مدينة منف، وهو الاسم الذى كانت تُعرف به المدينة.

ولما كان تغيير الحروف بحروف أخرى أو إسقاط بعضها أمرًا واردًا مع اختلاف طبيعة النطق فى اللهجات المختلفة وتباينها من شعب إلى آخر، أو حتى من وقت لآخر فى البلد الواحد، فقد تحولت «الحاء» إلى «هاء» وأسقط حرف «التاء» لتصبح الكلمة «هكابتاه»، ثم صُحفت هذه الصيغة فى اليونانية لتجىء على هذا النحو «آيجبتوس» Aegyptus. وعلى النحو نفسه، انتقلت هذه الصيغة اليونانية إلى اللغات الأوروبية الحديثة، مع إسقاط النهاية US والإبقاء على جذر الكلمة، لنراها فى الإنجليزية Egypt وفى الفرنسية Egypte وهكذا فى بقية اللغات الأوروبية، كما عُرفت فى العربية مع التصحيف بـ«قبط» بعد حذف Ae اليونانية والإبقاء على جذر الكلمة الرئيسى «gypt». وهكذا أضحت كلمة «قبط» تعنى مصر، كما تعنى أيضًا أهلها، وهى فى هذه الأخيرة تُستخدم فى صيغة الجمع، فـ«قبط» هم المصريون، ومفردها «قبطى» أى مصرى، وقد تُجمع أحيانًا على «أقباط» أى مصريين.

القبطية إذن ليست دينًا، فمن الخطأ البين القول بـ «الديانة القبطية» إلا إذا انصرف الذهن إلى الآلهة المصرية القديمة، و«القبطية» بالتالى لا تعنى «المسيحية» وليست بديلًا عنها. ومن ثم فإن كلمة «الأقباط» تعنى المصريين جميعًا، المسلمين والمسيحيين على السواء.

اهتم الكاتب بجانب تفوق مصر وسبقها على من كانت بأيديهم السلطة والنفوذ والجباية، إيمانًا من الكاتب أن مصر إذا فقدت استقلالها السياسى عوضت ذلك بالتفوق فى ميدان آخر، بحيث يظل هذا المحتل تابعًا لمصر فى هذا الجانب، وفى العصر المسيحى (موضوع الكتاب) الذى نتحدث فيه ما حققته مصر من مكانة مرموقة فى الجانب الفكرى، أى ما يتعلق بأمر العقيدة الدينية، فقد فرض اللاهوت السكندرى نفسه على الفكر الكنسى كله فى دنيا المسيحية، سواء كان ذلك فى «الأوريجينية» - نسبة إلى العلاّمة «أوريجانوس» - التى شغلت أذهان الإكليروس والرهبان وحتى الأباطرة حتى القرن السادس الميلادى، أو «الآريوسية» - نسبة إلى «أريوس» صاحب البدعة الشهيرة التى رفضتها الكنيسة - التى سادت الإمبراطوية طوال القرن الرابع، أو«الكيرللية» - نسبة إلى القديس «كيرلس» الأول بطريرك الإسكندرية الـ 24 والذى يحمل لقب «عمود الدين» - التى عُقدت من حولها المجامع فى القرن الخامس الميلادى. وليس هناك مدينة - كما يجمع المؤرخون - فرضت بصماتها وطابعها على المسيحية كما فعلت الإسكندرية، وكانت كنائس روما والقسطنطينية وأنطاكية تنتظر القول الفصل فى أمر العقيدة من الأسقف السكندرى.

وقد تناول المؤلف الفكر المصرى خلال تلك الفترة فى اتجاهاته كلها، الاتجاه الوثنى بشقيه المادى والفلسفى، ثم الاتجاه المسيحى فى شكله الجديد (أى المسيحية المُفلسفة)، ثم الاتجاه التأملى المتمثل فى الرهبانية (التى أسسها القديس أنطونيوس الكبير أب رهبان العالم كله، لكن كان قد سبقه فى التوحد الكلى القديس الأنبا بولا). وهى الجوانب التى فاقت فيها مصر زمانها ومعاصريها.

ثم أضاف الكاتب فصلين آخرين حول امتداد هذا الفكر المصرى إلى إفريقيا بارزًا فى الكنيسة الإثيوبية، وكيف نجحت مصر نجاحًا كبيرًا خلال هذه المكانة التى احتلتها فى التدخل المباشر - وهى الولاية - فى شؤون البلاط البيزنطى ومن يعتلى عرش القسطنطينية.

الكتاب يكشف بصدق عن «هوية مصر» من كافة الجوانب ومختلف المكونات والعوامل الحضارية والإنسانية وذلك فى «العصر المسيحى».
نقلا عن المصرى اليوم