سليمان شفيق
تجربة العزلة  التي حفرت وجداني كيفية الحياة منفردا في عزلة ، كانت في الحبس الانفرادي في سجن القلعة عام 1977.

السجن الانفرادي جعل اليوم عندي يبدأ وينتهي من خلال النظرة الي الجدار والنافذة واعمال الخيال ، وفعلا هناك جزء كبير من روايتي الوحيدة (ثلاثة وجوة) كتبتها في مخيلتي بالزنزانه الانفرادي ، هكذا استيقظ اليوم وانظر الي شياك غرفة نومي وابتسم مرددا ما قالة محمود درويش :" لازلت احيا شكرا للمصادفة السعيدة " ، ثم اذهب الي الكلور وانظف الحمام وانا افكر من اخترع الكلور ، افتح جوجل وانا ممسك بالموبايل واقرأ :

"هو عنصر كيميائي له العدد الذري 17، والرمز Cl. وهو من الهالوجينات ويوجد في المجموعة 17 (المجموعة السابعة سابقا) في الجدول الدوري للعناصر. ونظرا لأنه جزء من ملح الطعام ومركبات أخرى، فإنه متوفر طبيعيا، وهام لمعظم أشكال الحياة، بما فيها الجسم البشري. وغاز الكلور أصفر مخضر، وهو أكثر كثافة من الهواء بمرة ونصف، وله رائحة كريهة، كما أنه سام للغاية. وهو عامل مؤكسد قوي، مبيض (للأقمشة وما إلى ذلك)، كما أنه عامل مطهر. ومن أهم المركبات التي تحتويه حمض الهيدروكلوريك.".

اترك الحمام وافرك يداي بالكحول ، وانظر الي طاولة الطعام في خوف واتخيل ان معي نضارة ميكروسكوبية كاشفة للفيروسات ، اجدها تخرج لسانها استعدادا للهجوم ، انظف بعناية الطاولة ، واركض الي الحوض اغسل يدايا بعناية ولمدة عشرين ثانية ، اعود الي الطعام ، رائحة الفنيك والكلور تختلط بالفول ، اترك الفول واستنشق رائحة القهوة .

احاول القراءة السطور معقمة والكلمات تصارع الوباء ، يا الهي حاربت مرتين حيث كان العدو واضح ولكن هذة الحرب مع ذلك العدو الخفي تحتاج الي مزيد من الخوف والحزن والكتابة ، نعم اكتب لكي اعيش ، اكتب واتذكر في سفر الرؤيا ليوحنا الاهوتي كتب القديس كلمة اكتب سبعة مرات ، وفي مطلع انجيل يوحنا كانت "في البدأ كانت الكلمة والكلمة صارت بشرا" وهكذا احاول اكتب ولكن لابد من رؤية حتي تصير الكلمات بشرا ، لايعرفون الخوف .. اتخيل مليارات الفيروسات تهاجم المليارات من العالم ، الانسان يواجة المجهول والعلم يبحث عن قنابل دوائية لقتل هذا العدو الخفي ، في الليل عرفت ان هناك مظاهرات في الاسكندرية تطلب من الله سبحانه وتعالي ابادة هذا العدو ؟!!

تذكرت اجدادي حينما خرجوا لمقابلة الحملة الفرنسية بالنبابيت ولكن حينما اطلق عليهم نابليون "القنبل" اي القنابل ، صرخ الناس مع مشايخنا :" يا خفي الالطاف نجنا مما نخاف ".

وفي الليل اتوقف امام السؤال الثاني :
هل سقطت العولمة امام فيروس صغير الحجم جعل الحكومات تغلق الحدود ورحلات الطيران تتوقف والشركات المتعددة الجنسيات تخسر المليارات وتغلق فروعها في كل مكان .. وهل يتجه العالم الان الى الاشتراكية ومبادئها المعنية بالفقراء؟

سؤال محير جعلني اعود الي اكبر وباء حدث للبشرية وهو الطاعون : وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة. انتشرت أوبئة مشابهة في نفس الوقت في آسيا والشرق الأدنى، مما يوحي بأن هذا الوباء الأوروبي كان جزءاً من وباء عالمي أوسع نطاقا.

لكن رغم ذلك بعد انتهاء الوباء تعاظم موقف الكنيسة ورجال الدين في اوربا والعالم ، ثم وباء الكوليرا : في عام 1820 كان وباء الكوليرا الذي اجتاح العديد من دول العالم ومنها أندونسيا وتايلاند وأيضا تسبب في وفاء 100 ألف شخص أخرى.

اتذكر بيرم التونسي حينما قال :
الجحيـــــم
======
بيرم التونسي :
يا دنيا جُرّى اللى فيكى ع الجحيم جرى
جحيم مؤبد ، و من قبله جحيم ذرى
الحق فيكى صبح محروق و متدرى
و انتى اللى أصبحتى لا تهنى و لا تُسرى
---------------
فى عهد نور العلوم ...  خاب الرجا فيكى
ع اللقمة شال الهموم ... صينى و أمريكى
و من وراهم يقـــوم ... تركى و بلجيكى
لو يعرفـــوا أخرتك.... للكلب يرمـــوكى
----------------
إيه يا زمان المكن و السرعة و الإنتاج
أغنيت حديدك و خليت الفقير محتــــاج
و لما تصبح جيوش العاطلين أفــــواج
تسوقها للمجزرة  و الحرب ، بالكرباج
---------------
إيه يا زمان الإبر ، و المصل و التطعيم 
زمن الوبا و الطاعون ، كانت حياتنا نعيم
تجينا كوليــــرا ، تِقَّلـــم نُصنــــــا تقليــم
و تشيل هشيم  الفروع  ، و تخلى كل سليم