من خلافات رصينة واصلاحية  الي دعوة من "هب ودب" للتجريح
سليمان شفيق 

لاشك ان لا احد يرفض ابداء الراي في شئون الكنيسة ومطالبة قداسة البابا بمطالب ، ولكن في ظل فهم وادراك كيفية ادارة النقد في كنيسة ابوية ، وسبق في القرون السابقة ان تمت خلافات ووصلت للمحاكم من اجل الخلافات علي الاصلاح الكنسي من جهة ومن جهة اخري كان هناك مغامرين مثل جماعة "الامة القبطية"والذين وصل بهم الامر لاختطاف البابا يوساب الثاني ، اي ان الخلافات كانت دائما تأخذ في التعبير عنها اتجاة رصين يحترم الاب البابا واتجاة خارج ادراك معني البابا لصفتة ابو الاباء .

بالطبع  يحدث ذلك بشكل يعكس عدم خبرة ودراية بماهية وروحانية الخلافات التاريخية الكنسية، أو بلغة العالم المعاصر «الديمقراطية الكنسية»، بل  لعبت تلك الاقلام بدون وعي دورا في تحويل الخلاف الي احتقان وتعميق للازمة ، ويعود ذلك لطبيعة تأميم المناخ الديمقراطى والاعلامي ،وما جرى فى الاربعين سنة الماضية من تدجين و«أكرسة» المجلس الملى (بعد أن سامهم قداسة الأنبا شنودة  الثالث) شمامسة ثم تجميد قداسة البابا تواضروس الثاني للمجلس وعدم دعوتة لانتخاباتة من جديد ،وتداعي الظروف التي ادت الي  إفراغ المجلس من مضمونة، الامر الذي ادي الي عدم وجود مانعة صواعق علمانية ، ودعوة من "هب ودب" الي ساحة الخلاف ، ووصول الامر الي حد تجريح البابا .

 لذلك لا بأس من استرجاع بعد المواقف التاريخية التى حدثت داخل الكنيسة لكى يدرك الشباب أن تلك الخلافات جزء لا يتجزأ من البناء الروحى الكنسى، وكيف ان الامر كان في حدود النقد المباح وليس التجريح .. كانت البداية في القرن التاسع عشر بعد تأسيس المجلس الملى العام، 1874 حدثت خلافات فى الرأى بين البابا كيرلس الخامس (البطريرك 112، الذى تم جلوسه على كرسى مار مرقص فى نوفمبر 1874 وحضر جلوسه الخديو إسماعيل وابنه توفيق)، وفى هذه الخلافات  ناصر بطرس باشا غالى فكرة إجراء انتخابات أعضاء المجلس الملّى، بدلا من أن يُعيّنوا من قِبَل البطريرك (لمزيد من التفاصيل راجع للباحث: الأقباط بين الحرمان الوطنى والكنسى دار الأمين القاهرة 1994) وبالرغم من معارضة البابا استعان بطرس غالى بالحكومة وتمت الانتخابات، وتم تغيير لائحة المجلس بأن يُرفَع البابا من رئاسة المجلس وأن يقوم وكيل المجلس بطرس غالى بعمل رئيس المجلس،ولما فشلت مساعى البابا فى تنفيذ رأيه قَبِل وساطة بطرس باشا الذى نجح فى إعادة حق البطريرك فى إدارة ديوان البطريركية وأوقاف الأديرة، فقط ولكن أعضاء المجلس رفضوا هذا الحل وعاد الموقف للتأزم وتم تعيين أسقف صنبو رئيسًا للمجلس الملّى بدلا من البابا
 
وللاسف قدم بطرس غالى شكوي الي محافظ القاهرة والمعتمد البريطاني  شكوي ضد البطريرك ،مما ادي الي نفي البطريرك إلى دير البراموس، وونفي المطران الانبا يؤنس إلى دير الأنبا بولا، وتم ذلك فى سنة 1892 م. ومن يراجع عريضة الشكوى التى كتبها بطرس غالى ضد البابا سيجدها تؤكد على صداقة البابا ومناصرته لأحمد عرابى وعدائه للإنجليز!! (من المعروف أن بطرس باشا غالى الكبير اغتيل بعد مذبحة دنشواى لاتهامه بالعمالة للإنجليز)، وظل البابا كيرلس الخامس فى الدير خمسة أشهر. ويذكر تاريخ الكنيسة.. أن أسقف صنبو بعد ذلك حين دخل ومعه «الإيغومانوس» (رتبة كنسية) إلى الكنيسة لصلاة القداس الإلهى شاءت الإرادة الإلهية أن يُخطئ الأسقف ويقرأ إنجيل خيانة يهوذا الإسخريوطى كما وقعت الصينية من يده، فتشاءم الناس واعتقدوا أن الله غير راضٍ عن المجلس وأعماله، وتعطّلت الشعائر الدينية والتهب الشعور المطالِب بعودة البابا.
 
وتمضى الكنيسة فى مسيرتها الديمقراطية والروحية، وتستمر الخلافات وبعد نياحة البابا كيرلس الخامس صار الأنبا يؤنس قائم مقام بطريرك، وبعد أن أصدر الملك فؤاد ملك مصر قرارا بتعيين الأنبا يؤنس مطران البحيرة والمنوفية وكيل الكرازة المرقسية القبطية الأرثوذكسية تم تجليس البابا يؤنس التاسع عشر فى 7 ديسمبر سنة 1928 طبقا لانتخابات التى أجريت فى ذلك الوقت، وشكك فيها كثيرون ورفعت 8 قضايا من العلمانيين ضده حتى تنيح فى1942
من يؤنس إلى مكاريوس الثالث.. ويستمر الخلاف:
تبوأ الكرسى البابوى مطران أسيوط الأنبا مكاريوس (الراهب عبدالمسيح من دير الأنبا بيشوى)، ولعب الأنبا مكاريوس أدوارا
  
وطنية وحداثية كبرى ذلك أنه عقد مؤتمرا قبطيا عظيما فى مدينة أسيوط سنة 1910  رغم الاعتراضات التى قامت فى سبيله ولم يكتف بذلك بل قدم للبابا كيرلس الخامس فى أول سنة 1920. رسالة عن المطالب الإصلاحية الملية بالاشتراك مع زميله الأنبا ثاوفيلس أسقف منفلوط وأبنوب وقتئذ مما دل على عظم كفاءته ورغبته فى إعلاء وتحديث الكنيسة.

ولما تنيَّح البابا كيرلس الخامس فى سنة 1928 ، رشحه الشعب للكرسى البطريركى لتحقيق مطالب الإصلاح ولكن حالت الظروف وقتئذ دون تحقيق ذلك ولما تنيَّح البابا يؤنس التاسع عشر سمحت العناية الإلهية أن يتبوأ الأنبا مكاريوس العرش المرقسى ورسم بطريركا على الكرازة المرقسية فى يوم الأحد 13 فبراير سنة 1944

وبعد أن تبوأ كرسى البطريركية أصدر فى 22 فبراير سنة 1944 . وثيقة تاريخية غرضها الأساسى إصلاح الأديرة وترقية رهبانها علميا وروحيا وأمر بمحاسبة نظارها ورؤسائها وقد أدى هذا الأمر إلى انقسام كبير بين المجمع المقدس والمجلس الملى العام،وفى 7 يونية سنة 1944 ، قدم المجمع المقدس مذكرة إلى البابا البطريرك وإلى وزير العدل بالاعتراض على مشروع الأحوال الشخصية للطوائف غير الإسلامية لأنه يهدم قانونا من قوانين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كما أنه يمس سرين من أسرارها المقدسة وهما سر الزواج وسر الكهنوت وهما من أركان الدين والعبادة.
وقد استمر النزاع وتعذر التوفيق بين المجمع والمجلس وفشلت المحاولات التى قام بها البابا لإزالة سوء التفاهم وأصر المجلس على تدخله فى غير اختصاصه. بل فيما هو من صميم اختصاص المجمع المقدس. حتى اضطر البابا إلى هجر العاصمة مقر كرسيه والاعتكاف فى حلوان ثم الالتجاء إلى الأديرة الشرقية بصحبة الآباء المطارنة وبعد أن استقر فى دير أنطونيوس قصد دير أنبا بولا وقد كان لهذه الحوادث المؤلمة ضجة كبيرة فى جميع الأوساط واهتز لها كل غيور على الكنيسة.

ولما علم رئيس الوزراء بهجرة البابا إلى الدير عمل على عودته مكرما إلى كرسيه فكلل عمله بالنجاح ورفع المجلس الملى إلى البابا كتابا يلتمس فيه عودته حتى يتسنى تصريف شؤون الكنيسة والتضافر على السير فى طريق الإصلاح المنشود وبعد ذلك عاد البابا من الدير فاستقبله الشعب استقبالا حافلا.

وانعقد المجمع المقدس برئاسته وأصدر فى أول يناير سنة 1945، واتخذ بعض القرارات منها:
تمثيل كنيسة أثيوبيا فى المجمع الإسكندرى - تبادل البعثات بين مصر وأثيوبيا وإنشاء معهد إكليريكى بأثيوبيا - قصر الطلاق على علة الزنا - وضع قانون للأحوال الشخصية

- جعل لائحة ترشيح وانتخاب البطريرك متفقة مع القوانين الكنسية وتقاليدها - إنشاء كلية لاهوتية للرهبان

- تشكيل لجنة دائمة لفحص الكتب الدينية والطقسية - المحافظة على مال الوقف وحسن سير العمل بالديوان البطريركى - تنفيذ قانون الرهبنة الصادر فى 3 يونية سنة 1937 بكل دقة، واستدعاء الرهبان المقيمين خارج أديرتهم - إنشاء سجل فى كل كنيسة يقيد فيه أفراد كل عائلة قبطية، وآخر يقيد

فيه أسماء المعمدين والمرتقين إلى رتبة الشماسية والمنتقلين.وفى يوم 6 يونية سنة 1945
وبعد ذلك اشتد الخلاف بين قداسة البابا والمجلس الملى العام مرة أخرى ولم يحل هذا الخلاف دون تولى البابا أمر الدفاع عن كيان أمته وقوانين الكنيسة خصوصا قانون الأحوال الشخصية للطوائف غير الإسلامية ، فرفع رؤساء الطوائف غير الإسلامية بالقطر المصرى وعلى رأسهم بطريرك الأقباط الأرثوذكس بتاريخ 30 مايو سنة 1945.. مذكرة إلى وزارة العدل بالاعتراض على القانون الخاص بتنظيم المحاكم الطائفية للأحوال الشخصية وأخرى إلى مجلس الشيوخ والنواب فى 25 يونية سنة 1945.. تحوى الاعتراضات التى يجب الالتفات إليها حتى يصبح موافقا لأحوالهم وتقاليد عائلاتهم
وكان البابا يشكو ضعفا شديدا ألم به فى الأسبوعين الأخيرين من حياته اضطره لأن يلازم قصره معتكفا وتوفى 31 أغسطس سنة1945.
 
من التاريخ للحاضر الآتى:
هكذا يبقي التأكيد علي انه هناك فرق بين النقد والتجريح ، كما تجدر الاشارة الي ان هناك وتبقي المشكلة الاساسية وهي حالة "الانكار" ان رسالة مايسمي بالاصلاح الذي ينادي به البابا مختلف عليها وان هناك خطابين معلنين ، خطاب من البابا وتيار يساندة من الاكليروس والعلمانيين وتيار اخر محتلف من الاكليروس والعلمانيين ، وبدلا من معالجة الامر يتم انكارة مع استقواء الطرف المؤيد للاصلاح البابوي بوسائل الاعلام الكنسية او اعلام الدولة ويحرم الراي الاخر من ابداء الراي (كما حدث مع برنامج الاسقف زوسيما ) ، هذا الحرمان من التعبير في الوسائل الاعلامية الكنسية يخلق تيارخارج عن اللياقة ويلجأ الي استخدام اساليب غير متزنة ولا تراعي اساليب حوار الابناء مع الاباء كرد فعل للحرمان ، ليس هذا تبريرا للتجريح ولكن تفسير له ، والحل ليس في انكار الخلاف في المجمع المقدس حول الخطاب الاصلاحي البابوي ، ولا في قبول التعددية في كنيسة ابوية ، بل في اللجوء الي الشعب خارج الاعلام عبر زيارات الباب كراعي لكل الايبارشيات والحوار مع الشعب واعادة النظر في الاعلام الكنسي ، وليس الرد الاعلامي من البابا في وسائل الاعلام الرسمية سواء للدولة او الكنيسة لان ذلك مهما بلغ الانكار يؤكد وجود صراعات وخلافات في الكنيسة والمجمع .
من له عينان للنظر فليقرأ ومن له اذنان للسمع فليسمع