قلم – روماني صبري 

 
عندما أذل الجيش المصري الإمبراطورية العثمانية عام 1839، ووقف على أبواب اسطنبول، بعدما كبدها خسائر عسكرية فادحة، إلى جانب سمعتها التي طالتها الهزيمة والضعف، لم يكن ذلك من فراغ، كونه يعلم كل العلم أنها لسرعان ما تحول البلاد لجحيم عقب احتلالها الدول بزعم الفتح الإسلامي، فسليم الأول تاسع سلاطين الدولة العثمانية، والخليفة الرابع والسبعون، والذي قررت الحكومة المصرية مؤخرا حذف اسمه من إحدى شوارع القاهرة في الزيتون، لجرائمه في حق المصريين، ارتكب أبشع الجرائم في حق الأبرياء، حتى حرمات الله انتهكها !، ولطالما استكمل أحفاد آل عثمان المسيرة الإجرامية.
 
الآثار الإسلامية لم تسلم منهم 
 ذات يوما قصفت الكعبة وسرقت آثار يقدسها المسلمين، من قبل الأتراك، نعم بمدافعهم قصفوا الكعبة، وهددوا بهدم الحرم النبوي بالمتفجرات، أما الحجر الأسود، فجعلوه قطعا، ليزينوا به مساجد السلاطين والصدور العظام، وفيما يخص آثار الرسول فسرقوها من المدينة المنورة، وعرضوها في اسطنبول. 
 
400 عام على الاحتلال العثماني، لم يدع الأتراك خلالها كبيرة إلا واتوها في الحرمين الشريفين، ولم يتركوا حرمة إلا وانتهكوها بين مكة والمدينة.
 
سليم ينهب آثار الرسول 
وكشف وثائقي لقناة "تركيا الآن" تفاصيل عدة وقائع، ففي عام 1517، دخل السلطان سليم الأول مصر والشام غازيا، فشرع ينهب آثار الرسول كالبردة والخاتم والعمامة والسيف، حيث كان قرر نقلها إلى قصر "طوب قابي" في اسطنبول."
 
وبخصوص الحجر الأسود، فكان على موعد مع التحطيم بيد العثمانيون، ففي عام 1552، قام السلطان سليمان القانوني، بترميم الكعبة المشرفة، وأمر جنوده بتكسير الحجر الأسود وإرسال قطع منه إليه في اسطنبول، بعدها وضعت واحدة منها في مدخل ضريحه، الذي دفن فيه عام 1566، بينما زين بباقي القطع جامع "أسكي" في أدرنة شمال الأناضول، وأيضا جامع الصدر الأعظم "صوكولو محمد الباشا"، الذي افتتح رسميا في حي قادرجا باسطنبول عام 1571.
 
 وإذا كانت تلك الأفعال كفيلة بوضع الأتراك مع سراق الحضارات ونهبة التاريخ، فإنهم أبوا أن يجعلوها وحيدة في سجل جرائمهم، وانتظروا حتى الأيام الأخيرة لدولتهم العثمانية، ليضيفوا إليها أضعافا مضاعفة.
 
آل عثمان يوجهون مدافعهم صوب الكعبة 
شهد عام 1914 اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخلتها تركيا العثمانية جانب ألمانيا القيصرية، ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، ولم تكن سوى فترة قصيرة حتى أصبح الحجاز ساحة من ساحات الحرب العظمى، بعد أن أشعل فيه الشريف حسين أمير مكة، الثورة العربية في 10 حزيران عام 1916، وأعلن أن هدفه التخلص من الحكم العثماني، وهو ما ردت عليه الحامية التركية في مكة، بقصف الكعبة من احد أبراج المدينة المحصنة حتى أذوا البيت الحرام واحرقوا كسوته.
 
فخري باشا ينهب الآثار النبوية بالخديعة 
وفي المدينة المنورة، أمر واليها التركي فخري باشا، بنفي رجال العرب فوق قطار الحجاز، وتشغيل نسائها بالسخرة في مد السكة الحديد إلى داخل المدينة، فيما عرف باسم "حادث السفر برلك"، أي النفير العام .
 
استصدر فخري فتوى من شيخ الحرم النبوي "زيور بك"، عام 1917، تجيز له نقل الآثار النبوية إلى اسطنبول بغرض ترميمها، بينما كان ينوي نهبها نهائيا دون إرجاعها كما وعد.
 
وفوق قطار الأمانات المقدسة، نقل إلى العاصمة العثمانية 14 صندوقا، محملة باللؤلؤ والمشغولات الذهبية والفضية، تمثل ثلاث أرباع محتويات حجرة الأمانات النبوية، ولما أعلنت تركيا هزيمتها في الحرب العظمى عام 1918، ظل فخري متحصنا خلف أسوار المدينة رافضا الاستسلام، وراح يهدد بنسف المسجد النبوي بالمتفجرات التي أودعها إياه، لكنه أعلن الاستسلام أخيرا في عام 1919 وأصبح أسيرا للعرب، حتى نقله الانجليز إلى مصر ثم مالطا، في النهاية عاد إلى تركيا، فتم تكريمه بمنحه لقب "توركان"، أي صاحب الدم التركي.
 
حتى اليوم تحتفظ تركيا في حجرة الأمانات المقدسة بقصر "طوب قابي"، بالآثار النبوية التي سرقها سليم الأول وفخري باشا، كما تحتفظ بقطع الحجر الأسود وتستغلها في السياحة الدينية بالبلاد، وفي مايو عام 2017، زعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ان بلاده الأقدر على حماية تلك الأمانات، وإظهار الاحترام لها، ويبقى السؤال إلى متى تظل هذه الآثار في حوزة تركيا؟!.