كتب : مدحت بشاي
 
لا ريب أن تفشى ظاهرة التعصب باتت تجذر النزعة الإقصائية التى تحمل فى طياتها مفهوم الإرهاب الفكرى، الذى لا يعتد بحرية التعبير والرأى المخالف، وإنما يستعمل العنف عوضًا عن الحوار للإقناع مما يؤسس للنزعة الإقصائية بما هو ترسيخ لمعانى الإطلاقية والنموذجية، أى الإقرار بتفاضلية الدين الواحد.
فى مجال بحث أهل العلم فى العالم لمسببات تزايد ظاهرة التعصب، نشرت مجلة «ساينس دايركت» العلمية مؤخرًا دراسة تكشف عما اعتبرته «السبب الحقيقى» لانتشار ظاهرة «التعصب الدينى» حول العالم، وأظهرت نتائجها أن زيادة نسب «الأصولية الدينية» أو التعصب والتطرف الدينى لدى أى شخص، ترجع إلى خلل «عضوى» فى منطقة معينة فى الدماغ.
 
وأظهرت الدراسة، التى أعدها "جوردان جرافمان " من جامعة "نورث ويسترن" الأمريكية، أن المعتقدات الإنسانية والمعتقدات الدينية، بطبيعة الحال، هى جزء من المخزونين المعرفى والاجتماعى، اللذين يميزان البشر عن الكائنات الأخرى، وتتأثر العمليات الإدراكية والاجتماعية بتطور مناطق معينة فى الدماغ البشرى.
 
وحسب وكالة سبوتنيك، عكف جرافمان، وفريقه البحثى على فحص المئات من المحاربين القدماء فى فيتنام، وأظهرت أنهم يعانون من خلل فى جزء من الدماغ، يعرف باسم «قشرة الفص الجبهى البطنى»، ووجد أن أولئك المحاربين يعانون من مستويات عالية من «التعصب الدينى» مقارنة بالآخرين الذين لا يعانون من نفس الخلل.
 
وتشير الدراسة إلى أن اختلاف طبيعة المعتقدات الدينية تحكمه مناطق معينة فى الدماغ، وتحديدًا الأجزاء الأمامية من الدماغ البشرى. ويعتقد أن «قشرة الفص الجبهى البطنى» تقع فى الفص الأمامى من الدماغ، وتعد مركزًا حيويًا لأنظمة المعتقدات.
 
ويتسبب الخلل فى «قشرة الفص الجبهى البطنى» فى زيادة نسب الأصولية الدينية، لأنه يتسبب فى تقليل نسب المرونة المعرفية، ما يعنى أن الشخص يصبح غير قادر على تحديث معتقداته فى ضوء أى أدلة جديدة، بجانب خفض أى سمة شخصية تجاه أى انفتاح متوقع.
 
وتضمن البحث فحص ١١٩ من قدامى المحاربين، الذين يعانون من إصابات دماغية، و٣٠ من قدامى محاربى فيتنام، الذين ليس لديهم أى تاريخ لأى إصابات دماغية. وقال جرافمان: «عززت المعتقدات سلوكياتنا لآلاف السنين، وساعدت على تطور أدمغتنا، وتطوير عملياتنا الإدراكية والاجتماعية، وعدم الانفتاح على أى أفكار جديدة سيؤثر على شخصيتك أو شكل تصرفك»، وتابع: «المعتقدات الدينية وغيرها يمكن دراستها بشكل انتقائى مستقل عن باقى العمليات المعرفية والاجتماعية، لأن اعتمادها يكون على وظائف الدماغ الأخرى، وهو ما أعتقد أنه سيكون مجالًا مهمًا للبحث فى العقود المقبلة».يقول المفكر والأب الراهب «متى المسكين» إن المسئول الأول عن التعصب الدينى هم القادة والمعلمون الذين لا يراعون المستوى النفسى للمتدين، والذين يلقنونه بالحقائق الإيمانية دون نقاش، وهذه الصورة الصارمة فى التعليم تظل هى رائدهم ومثلهم الأعلى، مع أن المسيح لم يعلّم هكذا، بل كان يستخدم الحوار فى تعليمه حتى مع أعدائه، فكان يبنى سامعيه، ويفتح أمامهم آفاق المعرفة، ويكشف لهم عن الحق المخفى وراء كل مثل أو تشبيه أو معجزة. ولكن يلزم أن نعترف بالحقيقة المرة وهى أن معلمى الدين كثيرًا ما تنقصهم المعرفة والحق وبالتالى تنقصهم «حرية مجد أولاد الله» (رو ٨: ٢١)، لذلك يخرج تعليمهم أكثر شبهًا بتعليم الكتبة والفريسيين منه إلى المسيح. وظاهرة التعصب وتورط بعض رجال الدين فى إذكاء وتجذير مفاهيم التشدد والتعصب والتطرف، هى ظاهرة تعانى من تبعاتها المجتمعات فى كل الدنيا وعلى مدى السنين.. فمنذ ما يقارب القرن من الزمان نشرت مجلة «المصور» فى عددها رقم ٩٤ فى شهر أغسطس ١٩٢٦، وتحت عنوان «محاربة رجال الدين» أن كل يوم يحمل إلينا نبأ جديدًا عن المساعى التى تبذلها الحكومات لمحاربة رجال الدين والقضاء على نفوذهم، فقد طالعنا أخيرًا فى إحدى الجرائد الأوروبية مقالًا مطولًا عن حالة تركيا الداخلية وموقف حكومتها إزاء رجال الدين، وطالعنا كذلك فى جريدة أمريكية نبذة عن الحالة فى بلاد المكسيك، حيث تدرس الحكومة مشروعًا لقانون يضع حدًا لسلطة رجال الدين.
 
ومن هذه النظم الجديدة أن الكهنة الذين يحرضون الشعب على العصيان بالرسائل أو الخطب فى الكنائس يجازون بالحبس سنة ويغرمون، ولا يجوز لكاهن من أى مذهب أن يعقد اجتماعًا سريًا أو علنيًا، أو أن ينشر دعاية دينية أو ينتقد دستور الحكومة. ومن يخالف يُعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات.. وستُلغى كل الدروس الدينية من الكليات ولا تعترف الحكومة بالألقاب التى تمنحها هذه الكليات على هذه الصورة.
 
وستمنع تأليف الجمعيات السياسية التى لأسمائها علاقة بالدين، كما أنها ستمنع عقد الاجتماعات السياسية فى الكنائس، والاحتفالات الدينية خارج الكنائس.. ولناظر الداخلية الحق فى إقفال كل كنيسة لا تتقيد بهذه القوانين.. إلى هنا انتهى الاقتباس مما نشر فى مجلة «المصور»، الذى قد يصيبنا بالإحباط لحالة توطن «التعصب» وتعذر معالجته.
 
ويحدثنا الأب الراهب المفكر «متى المسكين» حول ما أطلق عليه «تدريس التعصب»، ويقول إنه يكفى معرفة القارئ بالمبدأ الذى يقول به بعض المعلمين «لا تضع يدك إلا فى يد من يؤمن بمبادئك»! ليأخذ صورة نسبية ليكفيه التوجيه فى التعليم الدينى عند البعض بهذا المبدأ، وطبعًا يقصد الرائد أو المعلم أن يمنع طالب الدين من الاختلاط لا بأصحاب الأديان الأخرى فقط، بل يتعداها إلى منع الاختلاط أو المصادقة للذين هم من دينه أيضًا، بل والذين من عقيدته وإنما يكونون مختلفين فقط فى المبادئ.
 
إنها بالفعل كارثة أن يلقن الشاب أو الصبى روح العزلة والانفصال والانكماش بهذه الصورة أمر خطير على المواطن، إن مثل هذا الاتجاه فى التعليم الدينى سيجعله حتمًا شابًا منعزلًا منفصلًا غير متجاوب مع مجتمعه وشعبه وبلده، يأنف من زملائه ويتعالى على مرءوسيه.