كتب – روماني صبري 
 
في إطار حلول الذكرى الـ141 اليوم الثلاثاء 23 يونيو، على ميلاد هدى شعراوى، محررة المرأة من الجهل والتي ظلت تدافع عنها، احتفى بالمناسبة مؤشر البحث العالمي جوجل، ما اغضب المتشددون الذين راحوا يكشفون كرههم لها عبر صفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي ويصفونها بالخارجة عن الدين، أما المصريين الحقيقيون الذين يحبون ويحترمون المرأة شرعوا يدافعون عنها ويشيدون بدورها وكفاحها الطويل لجلب حقوق المرأة المصرية داخل المجتمع، وتعتلي شعراوي قائمة الجيل الأول من الناشطات النسويات المصريات، واتي تضم شخصيات هامة كـ: نبوية موسى وعديلة نبراوي وغيرهن، تعد شعراوي من أبرز الناشطات المصريات اللاتي شكلن تاريخ الحركة النسوية في مصر في نهايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، شاركت في أول مؤتمر دولي للمرأة في روما عام 1923م، وكانت معها كل من نبوية موسى، وسيزا نبراوي صديقتها وأمينة سرها، وحول هذا الحدث الهام كتبت تقول :" كان من بين ما حققه مؤتمر روما الدولي أننا إلتقينا بالسنيور موسوليني ثلاث مرات، وقد استقبلنا وصافح أعضاء المؤتمر واحدة واحدة، وعندما جاء دوري وقدمت إليه كرئيسة وفد مصر عبر عن جميل عواطفه ومشاعره نحو مصر، وقال إنه يراقب باهتمام حركات التحرير في مصر، وحين عادت من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي أسست "الاتحاد النسائي المصري" عام 1927 ، وتقلدت منصب رئاسته حتى عام  1947، وأيضا كانت عضوا مؤسسا  في "الاتحاد النسائي العربي" وأصبحت رئيسته عام  1935، بعدما انقضى 20 عاما من تأسيس  الاتحاد المذكور عقدت المؤتمر النسائي العربي سنة 1944م، وقد حضرت مندوبات عن الأقطار العربية المختلفة وفيه اتخذت قرارات منها : 
 
المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل وعلى الأخص الانتخاب، تقييد حق الطلاق، الجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي، تقديم اقتراح بواسطة رئيسة المؤتمر إلى المجمع اللغوي في القاهرة والمجامع العلمية العربية بأن تحذف نون النسوة من اللغة العربية، الحد من سلطة الولي أياً كان وجعلها مماثلة لسلطة الوصي، تقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء.
 
هدى تدرك التفرقة الجنسية مبكرا 
ولدت المناضلة عام 1879 وتربت في كنف عائلة من الطبقة العليا في محافظة المنيا بصعيد مصر، والدها محمد سلطان باشا، رئيس مجلس النواب المصري الأول في عهد الخديوي توفيق، كانت هدى طفلة عندما توفي والدها ، فعاشت مع والدتها إقبال التي كانت شابة صغيرة السن ذات أصول قوقازية، وضرتها حسيبة زوجة والد هدى، تربت مع أخيها عمر في منزل والدها في القاهرة تحت وصاية ابن عمتها علي شعراوي، والذي أصبح الواصي الشرعي والوكيل على أملاك أبيها المتوفي.
ابتعدي عن الذكور 
وكونها تنتمي لعائلة ثرية خضعت لدروسا منزلية على يد معلمين كإضافة ثانوية لوجود شقيق ذكر، وكان بإمكانها حضور دروس في اللغة العربية، والتركية، والفرنسية، والخط، والبيانو، حفظت القرآن في سن التاسعة ما يعد إنجاز غير مسبوق لفتاة، لكن لأنها أنثى عانت عائقا لاستكمال دراستها، وبعدما بلغت واجهت التفرقة الجنسية والقيود المفروضة بضرورة الابتعاد عن أصدقاء الطفولة الذكور والزواج من رجل رغما عنها.
نقطة التحول في شخصيتها 
وكشف شعراوي في مذكراتها الصدمات التي كانت نقطة تحول في شخصيتها وتفكيرها وحياتها قائلة :" فضلوا اخي الصغير "خطاب" عني كان له معاملة خاصة على الرغم من أنني أكبره بعشرة أعوام، وعند طرح تساؤلي اكتشفت المعنى الظاهر للنوع الاجتماعي حيث قيل لي أن أخي رغم كونه أصغر سنا فإنه يومًا ما سوف يصبح مسؤولاً عن إعالة الأسرة، لذلك فإن كونه ذكر يتيح له امتيازات أكثر.
 
مضيفة :" كانوا في المنزل يفضلون دائمًا أخي الصغير في المعاملة، ويؤثرونه علي، وكان المبرر الذي يسوقونه  أن أخي هو الولد الذي يحمل اسم أبيه، وهو امتداد الأسرة من بعد وفاته، أما أنا فمصيري أن أتزوج أحدًا من خارج العائلة، واحمل اسمه، مرضي بالحمى من أبرز المواقف التي أثرت فيا بشكل سلبي، خاصة أن اهتمامهم بأخي من جانب والدتي، التي كانت لا تغادر الفراش، أول الصدمات التي جعلتني اكره أنوثتي، لماذا كل ذلك ؟ لأنه ذكر.
زوجوني بالإكراه فعرفني الاكتئاب 
وتقول أيضا :" زوجوني من ابن عمتي وهو الزواج الذي حرمني من ممارسة هواياتي المحببة في عزف البيانو وزرع الأشجار، حتى عرفني الاكتئاب لفترة استدعت سفري لأوروبا للاستشفاء، تعرفت هناك على قيادات فرنسية نسوية لتحرير المرأة، الأمر الذي شجعني في أن أحذو حذوهم .
 
وحول وفاة أخيها تقول :" وفاة أخي الصغير وسندي في الحياة "خطاب"، انزل بي شعور الوحدة والأزمة، لأن من يفهمني في هذه الدنيا رحل عني خاصة كوننا متشابهان في الذوق والاختيارات، كما أنه كان اليد العطوفة علي بعد وفاة والدتي وزواجي من شعراوي باشا.
 
كيف تم زواجها ؟ 
حين بلغت الثانية عشر قررت والداتها خطبتها لابن عمتها والواصي عليها علي شعراوي، الذي يكبرها بما يقارب الأربعين عامًا، وتم الزواج في العام التالي، وقد كانت فكرة الزواج من ابن عمتها تقلقها بعمق خاصة بسبب دوره المزيف كوالي أو أخ أكبر فضلا عن كونه متزوج ولديه ثلاثة بنات، بعد كثير من الإقناع نجحت والدة هدى في إتمام أمر غير مألوف من أجل ابنتها، وهو أن ينص عقد الزواج على كونه أحاديا أي ألا يكون زوج ابنتها متزوجا من أخرى وإلا يعتبر العقد لاغياً تلقائيا، وقد غيرت لقبها بعد الزواج من هدى سلطان إلى هدى شعراوي تقليدا للغرب،  ولكن بعد عام تبين أنه قد عاد لزوجته السابقة فانفصلت عنه هدى في عمر الرابعة عشر. 
 
محررة المرأة من الجهل
شهدت أوائل العشرينيات مرحلة حرجة في تاريخ الحركة النسوية في مصر، إذ اتسمت بصورة من النشاط العام السري، انطلقت في تلك الفترة الشرارات الأولى للوعي النسوي لدي سيدات مثل هدى شعراوي وأخريات، وبداية الحركة النسوية المنظمة، فقد اضطلعت نساء الطبقتين العليا والوسطى بمزيد من الأدوار الجديدة في المجتمع، ليتركن نطاق بيوتهن مع الالتزام بالواجبات الثقافية والاجتماعية التي تفرضها "ثقافة الحريم"، فيما استمرت معظم المسلمات في ارتداء الحجاب تحول هذا الأخير تدريجياً بالنسبة للنسويات إلى أداة للمطالبة بتمكينهن من الأماكن العامة، وتمويه عن كل صور النشاط النسوي الخفي، وقتها المؤسسات الدينية في مصر كانت أحكمت قبضتها على الخدمات الخيرية والاجتماعية، ونجحت هدى شعراوي وغيرها من النساء المصريات من الطبقتين العليا والوسطى، في أن تصبحهن رائدات في تأسيس الجمعيات الخيرية، وجمعيات الخدمة العامة لمساعدة المحتاجين من النساء والأطفال، كما أنشأن عام 1909 مستوصف للفقراء من النساء من الأطفال وتم توسيع نشاطه فيما بعد ليشمل توفير الخدمات الصحية، وذلك ردا على معدلات وفيات الأطفال المتفشية في البلاد، عبر هذا العمل، فتح المجال نحو عالم جديد وأدوار اجتماعية جديدة، أصبحت فيما بعد جزءا من جدول أعمال الحركة النسوية المنظمة.
انبهرت بالمرأة الإنجليزية والفرنسية
تقول شعراوي في مذكراتها بداية نشاطها لتحرير المرأة، والذي بدأ خلال رحلتها الاستشفائية بأوروبا بعد زواجها، وانبهارها بالمرأة الإنجليزية والفرنسية في تلك الفترة للحصول على امتيازات للمرأة الأوروبية :" هناك تعرفت على بعض الشخصيات المؤثرة التي كانت تطالب بتحرير المرأة، وعند عودتها أسست مجلة "الإجيبسيان" والتي كانت تصدرها باللغة الفرنسية.
 
 
اعتمدت على التفاسير الليبرالية 
وبخصوص جهودها في المجال الأدبي، أسست شعراوي واحدة من أولى الجمعيات الفكرية في القاهرة، والتي عقدت أولى محاضراتها عام 1909 وتناولت بجرأة موضوع الحجاب حيث قارنت بين حياة المصريات والأوروبيات، ويرجع ذلك إلى انتمائها للتفسير الأكثر ليبرالية للإسلام، وفي بداية العقد الثاني من القرن العشرين، أصبحت هناك منتديات تتحدث فيها المصريات من الطبقة الوسطى مع ضيوف أجانب ويتبادلن الأفكار معهم، فبدأت النساء تتحدثن في المدارس والجمعيات  وأسسن الكثير من الجمعيات والنوادي في العاصمة المصرية
 
الرحيل 
صدر قرار التقسيم في فلسطين من قبل الأمم المتحدة، في 29 نوفمبر عام 1947، ودعت شعراوي الحياة  بعد ذلك بأسبوعين في 12 ديسمبر من العام نفسه على اثر سكتة  قلبية وهي تكتب بيان على فراش المرض، تناشد فيد الدول العربية بتوحيد الصفوف من اجل القضية الفلسطينية.