كتبت : بسنت حسن 

 ناضلت المرأة خلال عهود طويلة للحصول على حقوق ومكتسبات تتساوى فيها مع الرجل، حتى صارت الحرية هاجسًا لدى كثيرات، وصار البعض منهن يعبرن عن تشبثهن بتلك الحرية المنشودة بطرق فيها من المبالغة والغلو، بل والحماقة الشىء الكثير.. وبما إن للحرية أنواعًا وأنماطًا، بل ومفاهيم تخضع جميعها لوجهات النظر المتباينة وفقًا لأيديولوجية كل فرد على حدة، بل ووفقًا لتوجهات الفرد والعوامل التى أثرت وأسهمت فى تشكيله، لوحظ مؤخرًا جدل ولغط أثارته بعض السيدات اللاتى يدعين انتماءهن للتيار النسوى وانضمت لهن أخيرًا موظفة منتقبة أثار قرار وزيرة الثقافة المصرية بإلغاء انتدابها وتعيينها فى أحد قصور الثقافة المصرية فى أحد أقاليم مصر جدلًا واسعًا، وهو قرار أؤيده بشدة بل وأزكيه.. والسؤال الذى أراه جديرًا بالطرح هو كيف وصلت تلك السيدة لهذا المكان؟! وما كان عساها أن تفعل فيه وبأى كيفية أو استراتيجية كانت ستديره؟.

 
كلماتى لا تعنى وليس المقصود منها الانتقاص من وطنية السيدة التى أعفيت عن المنصب ولا المقصود منها تخوينها أو تحقيرها أو اتهامها بالانتماء لجماعة إرهابية أو محظورة، المشكلة والأزمة تكمن هنا ليس فقط فى قناعات تلك السيدة وكيفية تعاملها وتعاطيها مع المحيط ومن حولها، ولكنها تكمن أيضًا فى كيفية إثبات وجودها فى منصبها ومعرفة من الذى يجلس يوميًا وراء ذلك الكرسى ليتخذ القرارات ويسير الأعمال!
قد يقول البعض إن تلك السيدة لم تختبر، وكان لا بد أن تخوض التجربة أولًا ليتم تقييمها والحكم عليها. ولكن قد يغفل أصحاب ذلك الرأى شيئًا له دلالاته الخطيرة والمتمثّلة فى الآتى.
أولًا: من الضامن ومن يستطيع أن يجزم بأن تلك السيدة هى ذات السيدة التى كلفت وأنه لن يحل محلها ربما فى يوم ما رجل أو امرأة أخرى طالما هوية تلك السيدة ووجهها غير معروفين للعيان ولم يره أحد!
لقد قررت تلك السيدة وغيرها من المنتقبات ألا يراهن أحد.. ذلك هو اختيارهن الحر وانحيازهن المدفوع بقناعة ما وأيديولوجية تقف بطبيعة الحال وراء تلك القناعة.. وأتعجب حقًا ممن تريد مشاركة فعالة وتود الانخراط فى العمل العام، وفى نفس الوقت تحرص على التخفى، فى حين أن وجهها هو جواز عبورها وعبور المرء دومًا للآخر!.
 
تتشدق الكثيرات- ومنهن منتقبات- اليوم بمبدأ الحرية الشخصية، وأن الزى الذى تختاره المرأة حرة تمامًا فيه وتلك حقيقة- رغم استياء غالبيتهن من ملابس غيرهن ووصفهن بالعاريات وإن كن من الكاسيات- ولكن ذلك الحق وتلك الحرية محكومة دومًا بكم ونوع الضرر الذى قد ينتج عن تلك الحرية.. وأول من وضع مبدأ الضرر وعرّف به كان نبى الإسلام الذى حاول من خلال سرده واقعة تخص أناسًا اعتلوا مركبًا جماعيًا ليصور لنا حدود حرية الفرد فى ظل المجموع، وأن حرية الفرد تقف عند حرية الآخر، وبناءً عليه كيف لمن تتشدق بالحريات الشخصية أن تعطى الحق لنفسها فى التخفى ضاربة عرض الحائط بحرية المحيط من حولها، وأحقية ذلك المحيط ومن يعيش فيه أن يكونوا مطمئنين لهوية من يحدثهم ويلتقيهم ويتعامل معهم.
هل الحق فى التخفى حرية شخصية؟ هل إخفاء هوية الإنسان أمر مقبول يقره القانون؟ المنتقبة تريد أن تكون لها رفاهية، أن ترى الآخر ولا يراها أحد، أمن حقها وحدها أن ترى الجميع وألا يراها أحد؟ أليس من حق الآخر أن يعرف هوية من يتعامل معه ويلتقيه؟ أليس الآخر حرًا أيضًا فى اختيار من يتعامل معه، أم أن الحرية الشخصية فى هذه الحالة للمنتقبة وحدها والحق فى التخفى حق لها، وإن طلب الآخر أن يمارس هو أيضًا حريته فى التأكد والتيقن من هوية من أمامه يصير معتديًا على حرية المتخفى؟.
هذا من جانب.. ومن ناحية أخرى الحقوق جعلت فى الأساس ليتساوى فيها الجميع.. لا أن تكون حكرًا لأحد أو لنوع دون الآخر.. ولا تفرقة فى ذلك بين ذكر وأنثى.. فهل من حق المرأة إخفاء هويتها، فى حين يحرم ويجرم القانون وجود ملثمين من الذكور فى المجتمع؟
هل المرأة من حقها أن تكون غير ظاهرة للعيان، أما الرجل فلا؟ هل المنتقبة نفسها سترضى وتقبل بالتعامل مع شخص ملثم لا ترى وجهه ولا تعرف هويته؟، وهل يقبل المجتمع وهل يبيح القانون وجود ملثمين يعيشون بيننا يخفون وجوههم وهوياتهم عن الآخرين؟.
 
فلنتخيل معًا مجتمعًا نعيش فيه يخفى بعض أفراده وجوههم، متذرعين بالحرية الشخصية، كيف سيكون حال ذلك المجتمع؟ وهل سيرتاح بقية أفراده فى ظل وجود أناس لا نعرف لهم هوية، ويصعب علينا مجرد القول إننا رأينا فلانًا بالأمس وشاهدنا فلانة فى مقر عملها؟ كيف يتسنى للجهات الرسمية والرقابية والأمنية معرفة إن كان موظفًا أو شخصًا ما كان هنا أو لم يكن؟ كيف تتسنى لى مراقبة المتخفى أو محاسبته وهو بالنسبة لى كالشبح مجهول الهوية يستحيل إثبات حضوره، سواء فى أمر حسن أداة أو وقت ارتكاب أو وقوع جريمة ما؟ هل المطالبة بالتخفى حق؟ هل التخفى يندرج تحت بند الحريات الشخصية؟ وهل الحق فى التخفى رفاهية وتمييز يمكن قصره على النساء دون الرجال؟.
 
التذرع بالدين فى تلك القضية أمر حسمه الشرع والأئمة والمؤسسة الدينية الرسمية، وهو أمر يدخل فى حدود صلاحيات واختصاصات الأمن العام والأمن القومى والسلم الاجتماعى.. والتخفى أمر يضر حتمًا بالسلم الاجتماعى والسلم العام، فلا استفتاء يجوز ولا وجهات نظر تفيد أو تنطلى فى شأن كهذا.. ليصير التشدق به أو إدراجه تحت بند الحريات العامة أو الخاصة أمر يشوبه العوار ومردود عليه ولا يمكن تمريره أو قبوله أو قبول الاستثناء فيه.
لقد ناضلت المرأة لتتساوى بحقوقها مع الرجل، لا أن يكون لها وحدها الحق فى التخفى متذرعة بالدين.
 
النقاب قضية أمنية ذات بُعد عنصرى، وتندرج تحت ما يمكن- وبمنتهى الأريحية- وصفه بالتستر أو الشروع فى جريمة، وهو سلوك يعتمد فى تمريره على ثقافة التمييز العنصرى المجرمة فى كل مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان إن أصرت عليه المرأة وميزت نفسها به دون الرجل، وفى تلك الحالة لا يمكن التعاطف مع أولئك المتشدقات كما لا يجوز لوم الرجال إن طالبوا بذات الحق واعتمدوا على ذات المنطق وطالبوا بالحق فى التخفى.
وفى تلك الحالة لا أظن أن القانون يمكن أن يبيح أو يسمح بوجود ملثمين يعيشون بيننا من الرجال والنساء، إن أردنا حقًا تحقيق مبدأ سيادة القانون، ومن ثم تفعيله وتطبيقه على الجميع بلا محاباة ولا استثناءات كى لا نعرض السلم العام والأمن القومى والسلم المجتمعى لأضرار ومخاطر.