د. مينا ملاك عازر
أهم ما أستطيع الوصول له من اجتماعات برلين، أن العالم انتقل من برامج النفط مقابل الغذاء التي كان يعامل بها مع العراق أيام صدام حسين إلى أن يكون أكثر وقاحة في تقديره للنفط حين وافق الجميع على ألا يمسوا منشئات النفط الليبية، حسناً فالنفط أهم من البشر، النفط يدفئ أوروبا ويأتي بالمال لمن يسيطر عليه، ويحرك السيارات ويطير الطيارات لكن البشر لا قيمة لهم، هم مرتزقة يشحنون عبر البحر والجو ليتقاتلوا ويستمتع المتفرجين والمشاهدين لتلك اللعبة الحقيقية وليست الإلكترونية، الكل يتابع بشغف بالغ تحركات الشر على الأرض، وهم يتناحرون على قطعة أرض لكن لا مساس بالنفط، هذا الأهم، الوطن والمواطن فليذهب الجميع للجحيم.
 
أردوغان يقول أن مفتاح سلام ليبيا في تركيا، لم يقل لنا عن شكل هذا المفتاح؟ هل حملته طائرة من تلك التي نقلت المقاتلين والسلاح لليبيا وهي عائدة لتركيا؟ منذ متى ومفاتيح سلام الدول يوجد خارجها؟ منذ متى ونحن نرى أزمات الدول الداخلية تناقش على موائد عالمية وبحضور عالمي كهذا الذي شهدناه، أقصى ما كنت أظنه أن يتم طرح مشكلة دولة ما بين جيرانها لأنهم المتضررين، أما وأن الأتراك لا يرون أن مصر لها حدود مع ليبيا، وأنهم هم من لهم تلك الحدود، فأنت تشهد لغياب المنطق والضمير يتجلى بتلك الصورة حين يعلن المؤتمرون أنهم يطالبون بعدم المساس بالمنشئات النفطية، النفط هو ما يهم أوروبا، الصراع الفرنسي الإيطالي في ليبيا على النفط ،وليس مساندة لطرف على الآخر، قليلون من يشاركون بعقلية وأخلاق الرئيس السيسي لحماية الوطن الليبي واستعادته لأهله، السلام في يد تركيا لأنها من تنقل السلاح والمقاتلين، لو توقفت عن فعل هذا، الفعل الشنيع أخلاقياً لتوقفت الحرب تماماً، وفي هذا أردوغان محق، ولذا يجب ردعه، وهنا تأتي المرحلة الأهم في المؤتمر، والتي أظن أن الرئيس السيسي نجح فيها، وضغط لإتمامها، وهو أن يتفق المؤتمرون على رفض التدخل الاجنبي في ليبيا، وهنا تكف يد قطر وتركيا عن الامتداد بالسوء للشعب الليبي، ونقل المرتزقة والمقاتلين والإرهابيين ممن على شاكلة الرئيس التركي والأمير القطري.
 
أخيراً، أعتقد المؤتمر نجح بدرجة كبيرة بغض النظر عن كشفه عن عوار الإنسانية التي اتسخت باختلاطها بالسياسة، لكنه كشف عن أولويات البشر ودوافعهم للتدخل في البلدان القريبة والبعيدة عنها، ولعل أصحاب الضمائر، استفاقوا حين رأوا مدعي الإنسانية والمدافعين عن حقوق الإنسان وهم يهتمون بالنفط أكثر من البشر.
 
المختصر المفيد البشر أهم ما على وجه الأرض، كل شيء في الكون يخدم الإنسان ولا يعمل الإنسان لخدمة أي شيء بالكون.