بقلم : عبد الرحيم علي
كانت القرية التي ولدت فيها في قلب صعيد مصر.. اذا رزق احدهم بولد ينشد ظهره وينسند، يبدأ أقاربه وأصدقائه في إطلاق الأعيرة النارية ابتهاجا وتذبح الذبائح وتعلق الزينة.. ولكنه اذا رزق بفتاة يمشي حزينا يجر اذيال الخيبة يداري وجهه عن الناس مما رزق..
 
كنت ارى الرجال وجوههم شاحبة قبيل ساعة ولادة زوجاتهم، يتضرعون الى الله الا يخيب رجائهم، وان يرزقهم بالولد..
 
لذلك استغربت نفسي واستغربني الناس، عندما طرت فرحا بمولودتي الأولي "غادة" ، كانت جميلة بهية كالقمر .. لم يصدق احد ممن رآها في ذلك اليوم انها ابنة ساعات فقط، فقد كان حجمها ووجها يعطيان انطباعا بانها ابنة شهرين على الاقل..
 
كانت غادة ، ولم تزل ، بنت سبعة اشهر، لكن الله سبحانه وتعالى منحها ذكاء منقطع النظير وجمالا يحسدها عليه كل ابناء جيلها من فتيات العائلة..
 
اعتبرت غادة صديقتي الصغيرة.. حتى وهي ما زالت تتعلم الحبو كنت أجلس اليها واحكي لها كل شئ .. أحلامي، طموحاتي، كبواتي .. حتى مشاكلي الكبرى في الحياة كنت أقصها عليها.
 
كانت اذا تضحك تضحك لي الدنيا، واذا تمرض او تعبس، تظلم الدنيا في وجهي.. كنت اريد ان اسعد بها لأطول وقت ممكن، فطلبت من زوجتي ان تتريث كثيرا قبيل ان تحمل مرة اخرى لتترك لي فرصة لأنعم بتربية خاصة لابنتي الحبيبة، ولأن الأم صعيدية ولأننا كنا نعيش في صعيد مصر آنذاك ، عام ١٩٨٤، فقد كان الضغط عليها شديدا، سواء من أهلها أو اهلي.. "الحقيه بالولد قبل ما يهرب يا وفاء".. لم يكن يعلموا ان غادة عندي تساوي الف ولد مما يعدون .. فقد كانت ابنتي وصديقتي وحبيبتي، ولم تزل.. ولأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن معاندته، فقد حملت زوجتي في ولد ولكن الله سبحانه وتعالى اراد الا يتم الحمل بسلام ففشل في الشهر السادس .. وتشاء الأقدار ان تحمل زوجتي في نفس الشهر وتأتي بعد تسعة اشهر بحبيبتي الثانية "داليا".. ولدت داليا ضعيفة بدنيا على عكس غادة، لانها جاءت على "سقط" كما قال لي الاطباء، وما كان ذلك ليحدث ولكنها ارادة الله.. لم تأخذ مني داليا اهتماما كبيرا في الفترة الأولى، كغادة، لأني تركتها في الاسبوع الاول وذهبت الى موسكو للدراسة.. عدت وكانت داليا قد كبرت .. فضممتها الى حضني عاما كاملا لم أستطع فيه مفارقتها لحظة واحدة حتى حان الوقت للرحيل الى القاهرة، حيث عينت صحفيا بجريدة الأهالي .. كنت أقضي خمسة أيام في القاهرة وأعود لأقضي مع الأسرة، يومين في المنيا .. وسرعان ما ساعد الضغط على زوجتي، مرة أخرى، من قبل الجميع بمجئ حبيبتي الثالثة "شاهندة"..
 
كانت شاهندة "اشقى" بنت في المنزل من حيث الحركة وتحطيم كل شئ تقع عليه يديها، وكانت زوجتي تغضب منها غضبا شديدا لكنني كنت أقوم بتعويضها بأشياء جديدة بدل المحطمة حتى لا تعاقبها.. وحينما لاحظت ان البعض من أفراد العائلة يحاولون ان ينادوها كطفل وليست كطفلة، جن جنوني وقاطعتهم لانهم لا يعلمون ان الثلاث زهرات اصبحوا كل حياتي .. لم اكن اريد من الدنيا سواهم.. كنت اذا عدت يتجمعن حولي يحكين لي ما حدث لهن طوال اليوم وما فعلوه.. نضحك ونلعب ونغني ونرقص فيحولن حياتي في لحظة الى جنة .. أنسى من خلالها تعب اليوم وكل مشكلات العمل والحياة..
 
ولكن الحلم ظل يسيطر على الأم بحكم تركيبتها الصعيدية.. كان البنات الثلاث ولم يزلن، كل حياتي .. وكنا قد رحلنا جميعا الى القاهرة، فلم اعد استطيع ان استغنى عن اللعب معهم واجلاسهم على قدمي عندما اعود من العمل لكي اسمع حكاياتهم الصغيرة.. ذهبنا معا الى كل مكان في المحروسة وطرنا معا الى كل مكان استطيع ان أصطحبهم معي فيه.. فلم تكن سعادتي تكتمل الا بوجودهم بجانبي .. اذكر انه عندما تزوجت "غادة" رحلت خلفها الى كل مكان ذهبت فيه لقضاء شهر العسل.. حتى بت حديث العائلة والاصدقاء، لم استطع ان اتخيل، مجرد تخيل، ان تخرج ابنتي وحبيبتي من حضني وبيتي وتعيش مع رجل آخر ،حتى ولو كان زوجها..
 
وسرعان ما اخبرتني زوجتي انها حامل وانها حامل في ولد.. تشاجرنا يومها لانها كانت تعتقد ان ذلك الخبر سوف يدخل الفرحة الى قلبي اخيرا، كما قالت، ولم تدرك ان هؤلاء الفتيات باتوا كل حياتي وانني مستغني بهن عن العالم كله..
 
وجاء خالد ، وهو الوحيد الذي ولد في القاهرة، .. فكان اخي وصديقي، لكنه ابدا، حتى هو بات يعرف ذلك ويقدرة ويحترمه، لم يأخذ ذرة واحدة من عشقي للبنات.. وورث خالد ذلك العشق مني فأصبح اخا وأبا وصديقا لهن .. غادة شقيقته الكبرى تعتبرة ابنها وهو بالنسبة لشقيقتيه، داليا وشاهندة، الأخ والصديق والسند..
 
ظللت انا وخالد نشمشم فيهن كالقطط، وفي كل عام ما زلت اشم فيهن رائحة خبز امي وقهوة امي ، وأحس معهن بدفئ شمس بلادي في الشتاء وما زلت أفخر، رغم وجود خالد في حياتي، بلقب : أبو البنات..