بقلم : ماهر عزيز
ليس يكفي لفرد أن يفتح أحد المعاجم فيجد تحت باب  "وجد" اشتقاقات الكلمة مثل " أوجد" و"تواجد" و"موجود" و " وجد" و "وجدان" و "وجود" و "وجودية"  ليفتكر في نفسه أنه قد وجدها وكانت ضائعة فيخرج علي الناس مبشرا بأن تعبير "ربنا موجود" هو تعبير خاطئ لأن  "موجود"  اما من وجد (بفتح الواو وفتح الجيم وفتح الدال) فهي اسم مفعول يدل علي أن الموجود يوجد من اوجده ..  أو من وجد (بضم الواو وكسر الجيم وفتح الدال) فهي اسم مفعول يدل أيضا علي أن الموجود يوجد من اوجده  ..  هكذا بفذلكة مدهشة تشي بمراهقة  فكرية صبيانية فجة في الفهم اللغوي وعدم تمرس باللغة  وقصور  في فهم صياغاتها واستعمالاتها المختلفة..
 
ولقصور فهمه وانعدام خبرته باللغة يتجاهل أن التعبير شائع في التراث الشفاهي المصري منذ قرون .. ولد من جوف المعاناة والحزن والعذاب والألم والشقاء والمحن حين كان المصري (القبطي) يبصر  الموت واليأس وبئس المصير يكتنفه من كل جانب فلا يجد عزاء له إلا أن يرفع عينيه الي فوق ويتمتم : "ربنا موجود" .. وهو يقصد قلبيا وعقليا وضميريا : " الله مطلع علي كل شيء...يراه ويعلم به وبأحواله وعذابه .. الله  خالق الكون يري الوجود حاضرا أمامه وقادر أن يقضي ويحكم ويرسل معونته.. وفي الأوقات المعينة لدي جلاله يتدخل بالحق والعدل والرحمة "
 
ويتجاهل المتفذلك فقير  المعرفة وضحل الفكر والشعور أن الأصل في علم اللغة وما تبعه من معاجم أو قواعد أو نحو أو بديع..الأصل كان هو ما نقله اللغويون والنحاة مما  يتداوله  الناس بما هو عليه من تعبيرية أو رمزية أو اشتقاقية وليس العكس..فكل العلم اللغوي سبقه اللغة التي يتحدثها الناس في الواقع ونفس الأمر .. فالأسبق اطلاقا هو استخدام الناس للغة ومن هذا الاستخدام اشتقت القواعد وبنيت المعاجم اللغوية ونمت الاشتقاقات اللفظية ونحوها من  علم اللغة ..
 
فإذا كان منبع التعبير اللغوي هو هذا المعني عينه فهو يجب المعاني المرتبطة بالاشتقاق الأصم النظري البحت .
 
لكن المعاجم أيضا لم تغفل ذلك وعنيت بتتبع الكلمات في استعمالاتها المختلفة.. وفي معجم الوجيز الصادر عن مجمع اللغة الغربية المصري يجد الدارس تحت باب "وجد" المشتمل  علي اهم الاشتقاقات والاستخدامات للكلمة ما يلي :
 
( الموجود ) - ( في الفلسفة ) :  الثابت في الذهن وفي الخارج 
وهنا يلفت الانتباه الي وضعية لغوية في غاية الأهمية وهي أنه في علوم فكرية معينة يتخذ اللفظ معني محددا مفصولا عن عملية الاشتقاق اللفظي ذاتها..وهو هنا يعطي للكلمة معني محددا يستخدم في الفلسفة..
 
ولأن القياس في اللغة العربية هو أحد الوسائل المهمة في العلم اللغوي فبالقياس تكون "ربنا موجود" هي استخدام فريد وحده علي النحو الذي يقصد به أن "الموجود" هو "واجب الوجود" هو "الله" جل جلاله..هكذا مباشرة دون أي فذلكات اشتقاقية كما يفتعلها المبتدئون  .
 
إذن " ربنا موجود" معناها "واجب الوجود"  .. القائم بذاته وفي ذاته  ولذاته..  القائم أبدا أزليا أبديا ... هو باعث الوجود.. خالق الوجود .. الموجود.. واجب الوجود .. بل  هو كل الوجود ..  ..  ومن حيث هو  واجب الوجود ينتفي السؤال عمن اوجده  أو من وجده ...
 
وعلي ذلك  لا يمكن للتعبير "ربنا موجود"  أن ينفصل عن السياق الذي نشأ فيه واستخدم بمقتضاه عبر القرون .. والسياق هنا مرتبط بباعث الوجود ذاته..  وبالتالي حتي لو لفظة "موجود"  هي في الاشتقاق اللغوي الصرف اسم مفعول فإنها  في  السياق بالنسبة لباعث الوجود تتخذ منحي مختلفا وذلك ليس للهروب من واقع الكلمة ذاتها وإنما وفقا للقاعدة اللغوية السابقة التي تخصص للتعبير في استخدامه المتواتر معناه المستقل وتبني قياسات كثيرة عليه مماثلة في أبواب شتي كالفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم التقنية وغيرها حيث يحتفظ التعبير بخصوصيته في الاستخدام السياقي الذي وجد عليه.
 
إذن  "ربنا موجود"  في سياقها الخاص هي بالضبط  " الله واجب الوجود " ...   وليس الله الذي أوجده أحد.
 
ولعل ذلك يفسر أن جهبذا علي دراية وثيقة باللغة العربية كالبابا شنودة استخدمها هكذا دون خشية من تصادمها مع صحيح اللغة .
 
( الكاتب له خبرة الي حد ما باللغة العربية حيث  اشتغل لمدة عامين كاملين [ اي 700 يوم ] علي نحو متواصل دون انقطاع في تحقيق وترجيح ونحت مصطلحات  المعجم ثلاثي اللغة للعلوم والهندسة والتكنولوجيا الصادر عن اتحاد المهندسين العرب عام 1982 مما جعله يعيش المعاجم وكل أعمال مجمع اللغة العربية معايشة كاملة ).