اللاهوتى وسط الأطباء
للأب باسيليوس غونيتاكيس – الأب الروحى لدير العذراء ايفيرون – جبل أثوس.

المحاضرة ألقيت فى مؤتمر للأطباء المتخصصون فى الأمراض المستعصية -تسالونيكى – 7 مارس 2002

نقلها الى العربية الأب أثناسيوس حنين

لا أعرف السبب وراء دعوتى -أنا الراهب – أن أقول كلمة فى مؤتمر طبى -علمى .وكما لا أفهم كيف اقتنعت وقبلت الدعوة. ولكن ارتاحت نفسى وأطمأن وجدانى ’ حينما طلبت المعونة من أب ومعلم الطب ايبوقراطوس ’ حينما رأيته وسمعته ’ بالروح بالطبع ’ يتلهوت بشكل واضح وصريح ’ ليس بالكلام واللسان ’ بل بحياته وشهادته وعلمه ’ وهنا قررت أن أتشجع وأتى فى معيته وحمايته لأخاطب اجتماعكم الموقر. لا يتكلم أبو علم الطب ايبوقراطوس كلاما تقنيا محدودا ’ بل يتناول الانسان فى جملته ’ كل الانسان فى صحته وقوامه النفسى والروحى والجسدى وهو لا يجزئ الانسان ’ بل يوحده .ولا يترك أمرا مهما صغر حجمه أو بدا غير ذى قيمة ’ فى الكيان البشرى ’ الا ووضعه فى اطاره العام .

أيها الأحباء
لقد كلفكم معلمكم بأن تتعهدوا "قسم ايبوقراطوس" بأنكم ملتزمون بأن تحافظوا على مهنتكم وحياتكم بعفة ونزاهة ونقاوة السيرة وحسن العلاقة مع الله ’ مصدر النزاهة واساس النقاوة . هذا معناه أن حياتكم كلها ’ بالأمها وأفراحها ’ هى فى الاساس سهر روحى وتطويرتقنى مستمرين لمواهبكم وذواتكم .وبكلام أخر عليكم بالدراسة المتواصلة لكل ما فى الانسان من أسرار ’ وكل ما فى علم الطب من تقنيات .بلا اختلاط ولا انفصال ’ فلا طبيب طيب القلب بلا علم ولا طبيب عالم بلا قلب . لقد قدمتم حياتكم ذبيحة وقربانا ووقفتموها " من الوقف أى النذر" لكى ما تسبروا غور معناها العميق من ناحية ’ ومن الناحية الأخرى لكى تظهروها بريادتكم العلمية والتقنية ’ كبركة ’ وهذه الايفلوجيا تستعلن فى النهاية ’ فقط’ فى حضوركم الشافى . أنتم تقدمون ذواتكم بتقوى وخشوع وبخوف الله والانسان هيكل الله وأيقونته ’ وما بينهم من علاقة وجود . أنتم تدخلون باحترام شديد الى منزل الأخر !الى أخص خصوصيات حياته ’ الى نفسه ’ بل الى جسده أى تاريخه ’ بل تتعرفون على ضعفاته ومكامن أماله ومواضع قوته . وهو أى المريض ’ بدوره يفتح لكم ثنايا قلبه . يكشف لكم جراحاته التى كثيرا ما يعجز عن مواجهتها أو التعبير عنها وشرحهها .كل أمله أن ترووا ظمائه الى ملء الصحة وتمام العافية ’ وملء الحياة أى الى اللامنتهى والذى لا يقترب منه والذى يشتاق اليه ولا يجرؤ أن يبوح لكم به .أما أنتم فتعرفون ذلك جيدا لأنكم أطباء . أنتم تدركون أن الانسان كله وليس فقط جسده هو موضع مقدس ’ لهذا تغطون أرجلكم ورؤؤسكم باللون السماوى والملائكى مع ذاك الذى خلع نعليه لأن الموضع الذى وقف فيه هو موضع مقدس"خروج 3 ’ 5". أنتم تعلمون أن المريض لا يطلب فقط "مسكنات" ’ هو يطلب صحته وملء حياته .

هو يطلب " أن لا يموت " يوحنا 6 ’50. هو يطلب شيئا أعمق مما تتخيلون ’ وليس فى استطاعتكم أن تضمنوه . هو يطلب شيئا ’ نطلبه جميعا كبشر. مادام الانسان يطلب أن لا يموت ’ وأجلا أو عاجلا يموت ’ هل نقدر أن نقول أن الطبيب قد فشل فى تحقيق هدفه ! هل عليه أن يرفع يديه ويسلم بالفشل !هل خسر المعركة !شخصيا لا أعتقد ذلك . نحن هنا لا نتقوقع فى المنطق البشرى ولا فى القدرية الوثنية والحتمية الفلسفية ’ نحن لا نختلف فى أن الله لا يميت ويحيى من يشاء ’ هذا فكر العهد القديم ’ الذى فيه القيامة غائبة أو شبه غائبة !فالله عندهم يميت ويحيى لأن كتابهم يرجع كل حادث الى السببية الشاملة فى غياب الفكر الفلسفى وانعدام التمييز بين سبب الخير وسبب الشر ’ هم يسألون الألوهية فى كل شئ "المطران خضر : وحوه غابت روئ فى الموت بيروت 3009 ص 47 ".ومثل ما صارع ديجينيس مع الهاوية بشجاعة منقطعة النظير وفى النهاية يربح الموت المعركة .نحن هنا نوجد فى واقع أخر ومع ديجينيس أخر !

ذالك الذى غلب الموت بموته ونزل وحده الى الجحيم ."البنديكستاريون - أحد الفصح". ما دمنا نطلب الشئ الذى ’ انسانيا ’ لا يمكن تحقيقه بمقاييس الناس ’وما دام ما نطلبه يعطى معنى لحياتنا المؤقته’ ليس أمامنا جميعا سوى قفزة الايمان والتى تشكل عنصرا اساسيا للوجود الانسانى .وكما يحتاج الانسان الى الاوكسجين من أجل الحياة الباقية ’ بنفس الدرجة يحتاج الى أوكسجين الايمان من أجل الحياة الباقية. هنا يجب أن يبدأ الانسان فى أن يتدرب على الجرأة والأقدام والصدق .أى أن يتكلم بصراحة مع نفسه ومع الأخرين .وأن يكشف أفكاره للمختبرين الحياة. وهكذا يتقدم وبشكل طبيعى فى ظروف غير طبيعية . وفى أخر المطاف ’ سوف يخلصه الجرأة وروح التحدى والايمان بالحياة .الثقة فى ذلك "المجهول" والذى أحضر كل شئ الى الوجود ’ ذلك الذى قالها يوما مدوية "أن ايمانك قد شفاك" متى 9 ’ 22 .

اننا اذا ما أردنا أن نعرف الانسان فى جملته"وليس كمجرد حيوان غير ناطق"’ اذا ما اردنا اكتشاف سر الحياة والكون كله والذى هو أى الكون جسد واحد مع الانسان ’ لا يمكننا أن ننال مرادنا بدون معونة الايمان والثقة فى الحياة ذاتها . قالها النبى العبرانى "ان لم تؤمنوا ’ لن تأمنوا "أشعياء 7 ’9. أى أنه أن لم تؤمنوا ’ لا يمكنكم أن تفهموا الأشياء العسرة الفهم وتعيشوا فى أمان . ويقول هيراقليطوس الفيلسوف اليونانى "أن أمورا كثيرة من شئون الألهة تفوتنا ولا ندرك كنهها بسبب من كفرنا ". يقول الانسان المقدام والشجاع أنا أؤمن بالله الغير المرئى ’الغير المدرك ’ أنا أؤمن بذاك الذى فى كثير من الأحيان يبدو لى أنه "غير موجود ". أنا أحيا حقيقة أن " العظائم والعجائب هى مختومة للباحثين بعقولهم فقط ’ وهى مكشوفة للساجدين للسر بايمان "(كتاب المعزى) .وحينما أصل الى نهاية طريق "جلجثتى " أقولها مع ذاك الذى قالها يوما"لتكن مشيئتك" ’ ساعتها سيذهب القلق والأشياء العتيقة ستمضى ’ وستسود الخليقة الجديدة هنا والأن . أنا لا أدعى أن الله مجبور فى أو مديون لى أو أنى أقدر أن "أمشيه على مزاجى " هنا علاقة نفعية قصيرة النظر ! أقول له ماذا يفعل وماذا لا يفعل !ولكنى أقول بثقة " لتكن مشيئتك ".

هنا يشرق فى داخلى احساس أخر ’قوة وثقة يغمران جسدى الضعيف ’ مثل فرح سر الشركة الالهية يتغلغل ثنايا ومفاصل أعضائى وفى جميع أوصالى ’ وفى كليتى ’ وفى قلبى "صلاة المطالبسى "’ كتاب السواعى الكبير ’ ص 635 ". الايمان يرى أن تجربة حقيقية من الله والتى سيشرق منها نور التعزية والحرية ’ هى لأفضل بمكان من نجاحات وهمية ستودى بالمرءالى جحيم مؤكد وسجن مؤبد. أنتم كأطباء قد وصلتم الى النضوج الفكرى والكياسة الروحية والاستقرار النفسى ’ اذا ما وصلتم الى القوة التى تخلص الانسان ’ اى الايمان ’ الذى يشكر الله دوما ’ستصمتوا صمت العلماء ’ وتعملوا ما فى جهدكم لتحقيق القليل الممكن ’ وأما الكثير والصعب سيقوم بها الرب ليكن شعاركم وأنتم تجاهدون لتعينوا المريض لكى يقتنى صحته أو ليواجه بشمل صحى مرضه ’ ألمه ’ معاناته ’ تجربته ’ وربما رحيله الى العالم الأخر " !وأما منتظروا الرب ’ فيجددون قوة ’يرفعون أجنحة كالنسور .يركضون ولا يتعبون ويمشون ولا يعيون " أشعيا ء 40 ’30. وتأملوا فى كلام اغريغورويس بالاماس طبيب مدينتكم " أن كل شئ صالح أن كان حياة أو موت " وقديما قال لنا استاذ اللاهوت بأنه "يوجد حياة هى موت وكما يوجد موت هو حياة". هكذا ستصيرون أطباء حقيقيون ’ لقد أنطلقتم من ايبوقراطوس مؤسس علم الطب ووصلتم الى المسيح طبيب النفوس والاجساد الحقيقى والذى لا يشفى فقط المرضى بل يقيم الموتى . فى الختام نحن نرى بأن الصحة الجسدية لا تخلصنا وحدها " كان لدينا مدرس كلما ضايقه الاقوياء منا يقول لنا لو كانت المسألة بالعضلات ’ لصار الشيالون قمة المجتمع !-المترجم" بل العافية الروحية والثقة فى الذى قال يوما "قوتى فى الضعف تكمل "2كورنثوس 12 ’ 9 .
أحبائى

لقد أخترتم مهنة مقدسة وسامية ’ تضعكم فى موضع مميز ومأساوى فى أن .أنتم تلتقون الانسان ’ كل انسان ’ وكل الانسان ’ فى أقدس وأصعب لحظة فى حياته . الله قادر أن يجعلكم أهلا لرسالتكم الجليلة .