بعد فترة من التوقف للمباحثات المصرية الإثيوبية بشأن مستقبل الأمن المائى المصرى بعد تشغيل سد النهضة تعود المباحثات من جديد. هذه البداية جاءت بعد الإعلان الإثيوبى عن بدء التخزين الأولى لاحتمال اكتمال المرحلة الأولى لسد النهضة فى يونيو القادم وبداية توليد نحو 750 ميجاوات من الكهرباء من إجمالى المستهدف توليده والبالغ نحو ستة آلاف وخمسمائة ميجاوات بعد انتهاء اكتمال بنائه فى عام 2022.

 
أساس المفاوضات الحالية هو إعلان مبادئ الخرطوم الموقع فى مارس 2015، الذى أبدت فيه مصر الثقة وحسن النية فى الجانب الإثيوبى كدولة وفرة مائية (9 أحواض أنهار وما يقرب من خمسين رافدًا) تتباحث مع مصر كدولة عجز مائى وغذائى عميقين وتقدير مصر لاحتياجات إثيوبيا للكهرباء والتنمية مقابل تقدير إثيوبيا لاحتياج مصر لكل قطرة ماء فى ظل التغيرات المناخية والزيادة السكانية وحماية أراضى الدلتا من اقتحام مياه البحر وتمليحها إذا ما نقصت التدفقات المائية.
 
وفى الحقيقة، فإن إثيوبيا لم تكن على نفس القدر المصرى من حسن النية، وماطلت فى المفاوضات لكسب الوقت بشعار «مفاوضات لا تنتهى أبدًا وعمل فى السد لا يتوقف». وتمادت إثيوبيا بحيث أفرغت إعلان مبادئ الخرطوم من جميع بنوده واحتفظت فقط ببند اعتراف مصر بشرعية سد النهضة وعدم اعتراضها على مواصفاته المبالغ فيها للغاية والتى تتجاوز حدود سدود توليد الكهرباء إلى سدود تخزين المياه والإضرار بالجار. فعلى الرغم من نص إعلان المبادئ على تكليف مكتب استشارى عالمى لتقدير الأضرار المحتملة على مصر فى مجالات التدفقات المائية والبيئية والأضرار الاقتصادية الاجتماعية، وهو ما تم التوصل إليه بعد نحو ست سنوات من التباحث، إلا أن التقرير التمهيدى للمكتب الاستشارى المختار لم يعجب الجانب الإثيوبى، فقرر الاستغناء تماما عن هذه الخطوة الجوهرية فى إعلان المبادئ، على الرغم من أن توصيات الدراسات التى سيقوم بها المكتب ستعتبر هى الأساس لتحديد عدد سنوات الملء الأول لبحيرة السد الضخمة والبالغة 75 مليار متر مكعب، وتصل بالتبخير من مسطح البحيرة والتسرب العميق من قاعها إلى 90 مليار متر مكعب. هذا البند الأعظم فى إعلان المبادئ وما يليه من احتمالات استحقاق مصر لتعويضات من إثيوبيا عن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمائية والتى يمكن أن تلحق بها والتى كان من المحتمل أن يقدرها المكتب الاستشارى المنتهى عمله، والذى أرادت إثيوبيا عدم وجود أى تقرير دولى محايد يدين تعمدها التجاوز فى مواصفات إنشاء السدود النهرية لدول المنابع ثم استبدال المكتب الاستشارى بلجان الخبراء للدول الثلاث، والتى لن تتفق أبدا لانحياز كل طرف إلى صالحه الوطنى وعدم وجود طرف علمى محايد يمكن أن يحكّم بين الأطراف الثلاثة. وبذلك ستعطى إثيوبيا لنفسها فقط حق تقدير عدد سنوات الملء الأول حتى لو مات الآخرون عطشًا، وحق عدم التوقيع على اتفاقية تلزم إثيوبيا بالحفاظ على تدفقات النيل الأزرق عند نفس مستوياتها قبل بناء السد، طالما أنها تؤكد دوما على عدم إضرار السد بمصر، أو تبلغنا بحجم الضرر!.
 
وتقدمت مصر بمقترح رفضه الجانب الإثيوبى يلزم إثيوبيا بألا تقل تدفقات النيل الأزرق أثناء الملء الأول للسد عن 40 مليار متر مكعب سنويا بدلا من متوسط تدفقات النيل الأزرق، البالغة 50 مليار متر مكعب، الذى يمثل وحده ما بين 59 و64% من إجمالى مياه نهر النيل، حيث يأتى الباقى من النيل الأبيض فى هضبة البحيرات الاستوائية (13 مليارًا) وأيضا من نهرى عطبرة والسوباط فى إثيوبيا (22 مليارًا وجميعها لن تمس، هذا الخصم من مياه النيل الأزرق فقط وليس كما ادعى البعض أنه خصم من حصة مصر الكلية!! وأنها سوف تتقاسمها مع السودان بنقص 5 مليارات فقط من كل جانب). هذا الرفض مخالف للقانون الدولى للأمم المتحدة لمياه الأنهار العابرة للحدود، الذى يلزم دولة المنبع، التى تقيم سدًا جديدًا بألا يتسبب هذا السد فى وقوع أى أضرار على السدود والمنشآت المائية السابقة لهذا النهر وأن تظل تعمل بكامل كفاءتها السابقة، وهى هنا السد العالى فى مصر وسدود الروصيرس وسنار وميروى فى السودان، وبالتالى كان هذا الرفض الإثيوبى غير مبرر، بل إن وزير المياه الإثيوبى ادعى أن مصر تريد لسد النهضة أن يكون احتياطيا استراتيجيا لمياه السد العالى. هذا القول غير صحيح بالمرة وإنما جاء إلزاما لإثيوبيا بقانون الأنهار الدولية وتضحية مصر والسودان بحصة 10 مليارات سنويا من نصيبهما من المياه لصالح السد الإثيوبى حتى ينتهى الملء الأول للسد عبر سبع سنوات ربما تنتقص إلى ثلاث سنوات، فى حال ورود فيضان غزير خلال هذه المدة وهذا وارد جدًا، وألا يتم الملء أثناء سنوات الجفاف العجاف. ادعت أيضا إثيوبيا أن المقترح المصرى يعد تدخلًا فى أمور السيادة الإثيوبية على أراضيها، متناسية أننا نتحدث عن نهر دولى مشترك تفرض عليه سيادة مشتركة من شركاء النهر مصر والسودان وإثيوبيا، وليس نهرًا إثيوبيًا خالصًا تفرض عليه السيادة المطلقة الإثيوبية، بل على إثيوبيا مراعاة الحقوق المكتسبة لمصر عبر التاريخ، أى ما تعودت استلامه عبر آلاف السنين من مياه النهر.
 
على إثيوبيا الالتزام تماما بكافة بنود إعلان مبادئ الخرطوم، وإلا الإعلان عن نقض إثيوبيا له وتدويل الأمر إقليميًا وعربيًا ودوليًا.
 
* أستاذ الأراضى والمياه بجامعة القاهرة
نقلا عن المصرى اليوم