د.عبدالخالق حسين
تجري في هذه الأيام دراما سياسية صاخبة على جانبي الأطلسي. ففي واشنطن طالبت رئيسة مجلس النواب الأمريكي (نانسي بيلوسي)، بمساءلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في محاكمة برلمانية (Impeachment)، في مزاعم مفادها أن ترامب سعى في مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني  فلاديمير زيلينسكي، للحصول على دعم سياسي منه بفتح تحقيق حول جو بايدن، وابنه هانتر الذي كان عضواً في مجلس إدارة شركة يمتلكها احد أباطرة المال في اوكرانيا. يقول معارضو ترامب بأنه استخدم صلاحيات الرئاسة في الضغط على الرئيس الأوكراني بهدف الحصول على معلومات تضر خصمه السياسي الديمقراطي، ومنافسه في الانتخابات الرئاسية القادمة جو بايدن. وبدوره نفى ترامب القيام بأي تصرف غير لائق – لكن هذا التحقيق يجري على قدم وساق، وقد يفضي إلى عزل الرئيس.(1)
 
كما وهناك اعتقاد أن دونالد ترامب يعاني من كذب مرضي (Pathological liar)، وحتى وُصِف من قبل بعض المختصين في علم النفس والأمراض العقلية الأمريكان بأنه غير سوي، ولديه مشكلة مع الحقيقة. وفي هذا الخصوص قدمت إذاعة البي بي سي عدة برامج عن هذه الحقيقة من بينها برنامج تحقيق (The Enquiry) بعنوان: لماذا دونالد ترامب عنده مشكلة مع الحقيقة؟(2) 
   Why does Donald Trump seem to have problem with the truth?
 
وعلى الطرف الآخر من الأطلسي تجري دراما أخرى في لندن، وهي أكثر صخباً من الأولى، حول تجاوزات رئيس الحكومة البريطانية، بورس جونسن في مساعيه المحمومة (do or die إفعل أو مُت) على حد تعبيره لإخراج بريطانيا من الوحدة الأوربية يوم 31 اكتوبر/تشرين الأول 2019، سواءً باتفاق أو بدونه، رغم أن البرلمان البريطاني صوت أكثر من مرة بمنع الخروج بدون اتفاق.
 
لذلك أصدر جونسن قراراً بتعطيل البرلمان (prorogation) لخمسة أسابيع، وأقنع الملكة للمصادقة على هذا القرار الذي تم إصداره مما أثار غضب المعارضين له، والذين يفضلون البقاء في الوحدة الأوربية من بينهم رئيس الوزراء الأسبق السير جون ميجر، ونحو 21 نائباً من حزبه الذين صوتوا ضد زعيمهم، ففُصلوا من الحزب، إضافة إلى الأحزاب المعارضة الأخرى مثل حزب العمال، وحزب الديمقراطيين الأحرار، والحزب الاسكوتلاندي القومي (SNP)، ونواب مستقلون آخرون مجموعهم أكثر من نواب الحكومة.
 
وقام رئيس الوزراء الأسبق جون ميجر، وعدد من النواب بتقديم شكوى إلى المحكمة العليا لعموم بريطانيا ضد قرار رئيس الحكومة بتعطيل البرلمان. وأصدرت المحكمة حكمها بالإجماع يوم الثلاثاء 24/9/2019، على بطلان قرار رئيس الحكومة، ووصفته بـ(غير قانوني)، وأنه ضلل الملكة من أجل أن يحقق أغراضه السياسية بإخراج بريطانيا من الوحدة الأوربية في الموعد المذكور بتغييب البرلمان وإسكاته.
 
وقرار المحكمة بالطبع أفرح المعارضة التي طالبت رئيس الوزراء جونسن بالاعتذار والاستقالة "لأنه غير لائق لقيادة البلاد". وكان رد بورس جونسن على قرار المحكمة أنه "خطأ"، ولكنه يحترم حكم القانون، إلا إنه مازال مصراً على موقفه في الخروج من الوحدة الأوربية يوم 31/10/2019 باتفاق أو بدونه.
 
يعتقد الكثير من السياسيين والإعلاميين، أن رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسن غير صالح لقيادة البلاد لأنه ضلل الجماهير، وعمل على تقسيم الشعب، وشق حزبه، بل وصل الانقسام حتى إلى عائلته حيث اضطر شقيقه (جو جونسون) الذي كان وزيراً في الحكومة، فاستقال لأنه من مؤيدي البقاء، قائلاً: أنه كان في صراع مع نفسه بين الولاء للعائلة أو للشعب، فاختار الولاء للشعب. لذلك استقال من منصبه وحتى اعتزل السياسة كنائب برلماني.
 
الدروس المستقاة
في الحقيقة إن ما يجري في أمريكا وبريطانيا يثبت لنا مرة أخرى بما لا يقبل الشك أن للديمقراطية الناضجة أسنان من حديد لو أُحسن استخدامها، وأنها أفضل أنواع الأنظمة في الحكم. فمن أهم شروط النظام الديمقراطي هو الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. كذلك استقلال القضاء، وتطبيق القانون على المواطنين بغض النظر عن مناصبهم، ومكانتهم الاحتماعية، والاقتصادية وغيرها من الامتيازات. 
 
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وشك أن يواجه محاكمة دستورية، وربما عزله من الرئاسة للسبب المذكور أعلاه. ولكن يمكن أن يسلم من العزل، لأن قرار عزله يحتاج إلى تأييد ثلثي أعضاء البرلمان، وهذا يعني أصوات جميع نواب خصومه الديمقراطيين، ونحو عشرين من النواب الجمهوريين، وهو أمر شبه مستحيل، لأن جميع النواب الجمهوريين يدافعون عن ترامب. كذلك يعتقد البعض أن هذه المساءلة ممكن أن يكون لها تأثير معكوس، أي في صالح شعبية ترامب في الانتخابات القادمة.
 
كذلك رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون يجاهد الآن من أجل حياته السياسية، وعلى الأغلب سيواجه سحب ثقة البرلمان منه، ويُرغم على الاستقالة، وبذلك يكون قد انتهى سياسياً وحتى اجتماعياً لأنه كذب على الجميع، والكذب في هذه الحالات يعتبر جريمة مخلة بالشرف، وبذلك تكون رئاسته للحكومة أقصر رئاسة في تاريخ بريطانيا.
 
والسيناريو الآخر هو حتى لو سلم جونسون من سحب الثقة، فعلى الأغلب سيكون هناك استفتاء آخر، والمتوقع أن كفة البقاء ستفوز هذه المرة.
 
وفي جميع الأحوال لا بد من إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وحزب المحافظين منقسم على نفسه بسبب رعونة زعيمه جونسون، ونزوعه إلى الدكتاتورية والكذب. 
 
وهذه العقوبات ضد رئيس الحكومة تكشف عظمة الديمقراطية، ووجود نواب، وقضاة شجعان يلتزمون بحكم القانون، ولا يخافون في الحق لومة لائم. وقد لاحظنا قبل أسابيع كيف وجه رئيس البرلمان توبيخاً شديداً لرئيس الوزراء لأنه تجاوز العرف البرلماني في رده على وزيرة الظل، إميلي ثورنبري. وكذلك تكرر سوء تصرف جونسون في الجلسة البرلمانية المنعقدة مساء الأربعاء المصادف 24/9 الجاري، حيث استخدم كلمات حادة من شأنها تصعيد التوتر، وتأجيج الصراع والعنف بشتى أشكاله، ليس في داخل البرلمان فحسب، بل وحتى خارجه بين الجماهير.
 
لذلك تلقى رئيس الحكومة انتقادات شديدة حتى من وزراء سابقين في حكومته مثل السيدة أمبر رد (Amber Rudd ) وزيرة الداخلية السابقة، إضافة إلى تحذير رئيس البرلمان، والعديد من النواب له، وخاصة من العنصر النسائي، وكذلك الكتاب السياسيين والإعلاميين الذين حذروه من مغبة استخدام هذه اللغة العنيفة بين السياسيين في البرلمان والتي من شأنها تأجيج الشارع البريطاني، وتصعيد العنف مما له تأثير خطير على السلام المجتمعي.
 
أعتقد إن ما جرى في الأسابيع الأخيرة وإلى الآن على جانبي الأطلسي درس بليغ في الديمقراطية يجب الاستفادة منه و خاصة للشعب العراقي، الحديث في ممارسة هذا النوع من الحكم بعد قرون من الأنظمة الاستبدادية الجائرة. 
 
نعم الديمقراطية لا تخلو من نقاط ضعف، إذ قد تأتي الانتخابات بأناس للسلطة وهم غير مؤهلين لها، كذلك يمكن أن يحصل فساد وتضليل الناخبين، فالفائز في الانتخابات الديمقراطية ليس بالضرورة أن يكون الأفضل من بين المرشحين، بل الأكثر قدرة في التأثير على الجماهير. وفي هذه الحالة قد يحصل التضليل كما حصل في انتخاب رجل الأعمال الملياردير دونالد ترامب عام 2016 في موجة صعود اليمين في أمريكا و الدول الغربية الأخرى. وكذلك في فوز دعاة خروج بريطانيا من الوحدة الأوربية في الاستفتاء الذي جرى عام 2016، حيث نجحوا في تضليل الجماهير، وفازوا في الاستفتاء ولو بنسبة قليلة (4%)، دون أن يوضحوا للجماهير تكاليف الخروج، ومضاره، وفوائد البقاء، وهل يتم الخروج باتفاق أو بدونه.
 
والآن انكشفت الحقيقة بكل وضوح، حيث تأكد للأغلبية أن أضرار وتكاليف الخروج أكثر من البقاء. ولذلك يطالب أنصار البقاء في الوحدة الأوربية بإعادة الاستفتاء بعد ثلاث سنوات عجاف من الصراع العنيف الذي شق المجتمع البريطاني من القمة إلى القاعدة. (راجع مقالانا الموسوم: المأزق البريطاني في الخروج من الوحدة الأوربية!)(3). 
 
خلاصة القول: 
ما يهمنا في كل ما تقدم هو دور الديمقراطية وأهميتها في هذا الصراع، وآلياتها في حسم المنازعات بين الفئات السياسية بالتي هي أحسن وأسلم. وقد دارت مناظرات في مجموعات النقاش بين العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يلوم الديمقراطية في اختيار أناس مثل ترامب وجونسون من المتجاوزين عليها، وأنه دليل فشل الديمقراطية طنظام للحكم، وبين من يقول أن الديمقراطية هي الأفضل رغم ما تحصل فيها من تجاوزات. إذ كما قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستن تشرتشل:(إن الحكومة الديمقراطية هي ليست مثالية، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل من الحكومة الديمقراطية). إذ لا بد أن تحصل أخطاء وتجاوزات في الحكومات الديمقراطية، ولكن في نفس الوقت تمتلك الديمقراطية آليات تصحيح أخطائها (autocorrection)، والناس يتعلمون من أخطائهم، بينما تفتقر الأنظمة المستبدة إلى آليات تصحيح الأخطاء ولا تتحمل أي نقد، لذلك تلجأ إلى العنف في قمع المعارضة التي مصيرها الفناء كما حصل في العراق أيام حكم البعث الساقط.