كتب :  مدحت بشاي
Medhatbe9@gmail.com
 
لقد كان اتجاه الفنان الرومانسي إلى التعبير عن ذاته ومشاعره عند ظهور هذه مدرسته الفنية ثورة في الشكل والرسالة ، فظهرت هذه النزعة ليس في الأعمال فقط، ولكن في أقوال الرومانتيكيين، فالفن عند ديلاكروا نشوة منظمة، والتصوير عند كونستابل مرادف للشعور، فنجد أن ديلاكروا وكنستابل أخذا يتحرران من فكرة التظليل شيئًا فشيئًا، موجهين اهتمامهما إلى لغة الألوان بدلا من لغة الظلال والنور؛ فالألوان أحسن تعبيرًا وإبرازًا للشعور والإحساس عند الفنان.  ومن فناني هذه الحركة المصور الألماني فريدريخ الذي كان يقول: "ينبغي للفنان ألا يصور ما يراه خارجه فحسب، وإنما ما يراه داخله أيضا، وإذا لم يرَ شيئًا داخله، فالأجدر به أن يكف عن تصوير ما يراه خارجه، وإلا كانت لوحاته أشبه بتلك الستائر التي لا نتوقع أن نجد خلفها غير مرضى أو جثث موتى ..".فنستخلص من كلامهم وأعمالهم أن الفن رؤية ووجهة نظر فيما يدور حولك من أحداث، وما تعيش فيه من مواقف ، فهو نوع من أنواع إبداء الرأي ولكن بالريشة والألوان. 
 
وبشكل عام ، لا يمكننا اعتبار الفن مجرد مرآة ومحاكاة فوتوغرافية للواقع كما يتصور البعض منا في تعريف شائع ،  بل هو من بين الطرق التي يمكن أن نتوصل من خلالها إلى رؤية موضوعية للأشياء وللحياة الإنسانية. وبذلك فإنّ الفن هو بالأحرى اكتشاف جديد لهذا الواقع. 
وإذا عرفنا العمل الفني ( تصوير ـ نحت ـ خزف ـ حفر ... الخ ) على أنه محاولة لعمل تناغم بين الكتلة والفراغ ، وبين الخط والمساحة واللون في اتساق متكامل .. فإن لكل فنان مفرداته الخاصة وعالمه المتفرد .. بل ورغباته ورموزه وأحلامه .. أيضاً لكل فنان على هذه الأرض اتجاهاته وموروثاته الشعبية والحضارية ..
 
وإذا كانت الفنون التشكيلية مثلها مثل الموسيقى تُعتبر لغة عالمية ذات أبجديات متعارف عليها من كل شعوب الأرض .. لغة تخاطب الوجدان والمشاعر .. وإن كانت هذه اللغة فيها بعض الغموض الغريب الذي قد يستحيل فك طلاسمه على البعض منا وقد يجد استجابة قليلة عند بعضنا الآخر والهيام به إلى حد العشق عند طلابه وهواته ومريديه ، إلا أننا ورغم ذلك نؤكد أن هذه الفنون تؤثر وتتأثر بالإنسان .. إنسان كل عصر ..
 
وفنان العصر الحديث إبن لهذا العصر .. عاش عبقرية ولادة الإنجازات العلمية الهائلة .. عرف منهجية التفكير ومنطقية طرق البحث والتحليل وتعرف كذلك على قوانين العصر العلمية الحديثة التي أماطت اللثام عن الكثير من أسرار الطبيعة والكون .. و عليه ، فإن فنان هذا العصر أصبحت له هو الآخر ما يشبه القوانين والمعادلات .. بل وما يمكن أن نسميه كيمياء اللوحة وهندسيتها ومعماريتها .. بل واستفاد فنان العصر من إنجازات علوم الضوء والطبيعة والرياضيات والكمبيوتر لتدعيم أدواته وليحاكي مراية عصره ويخاطب عقول الأجيال القادمة التي لم يعد يشغلها كثيراً أمور الوجدان والمشاعر الرقيقة .. 
نحن في عصر شيعنا فيه جنازات الرومانسية والعذوبة ورهافة الحس .. ورحنا نفغر أفواهنا وتتسع أحداق عيوننا دهشة لكل إنجاز علمي يتحقق هنا أو هناك ..
 
وفي رحلة الفنان المعاصر للبحث عن دور وسط ذلك الكم الهائل من الصراعات على رغيف الخبز والسلطة والقوة وتملك الأرض وقهر المرض ومجابهة غضب الطبيعة والحروب والبحث عن أكوان أكثر رحابة .. في رحلته هذه كان لابد له الخروج من دائرة الواقع والوصول إلى عالم خاص مواز لعالمنا الغريب الذي نعيشه بكل صراعاته ومتناقضاته ..
 
وبعض من فناني هذا العصر أدركوا واعتقدوا أن دورهم ترفيهي يسمو بالإنسان والمشاهد عن عالم الماديات الشديد التعقيد المرهق للأبدان والأرواح .. والبعض الآخر اتجه في أعماله للأشكال الهندسية والتجريد .. وآخرون رأوا أن الفن وممارسته نوع من اللعب يؤديه الفنان والمتعة تصاحبه على طول الخط إذا كان الفنان على دراية وخبرة بقوانين اللعبة التي يؤديها .. وكما يؤكد ذلك فناننا الكبير الراحل " صلاح طاهر " في أحاديثه " نحن نلعب حينما نكون أصحاء لا مرضى .. نلعب حينما نشعر بالحرية ، ولا نلعب ونحن مغلوبون على أمرنا " ..
 
أما فنان الرومانسية فإنه يؤمن بأن الحقيقة والجمال في العقل وليس في العين، لم تهتم المدرسة الرومانسية الفنية بالحياة المألوفة اليومية، بل سعت وراء عوالم بعيدة من الماضي، ووجهت أضواءها على ظلام القرون الوسطى، ونفذت إلى ما وراء أسرار الشرق حيث الخيال والسحر والغموض، وحيث تأثر الفنانون الرومانسيون بأساطير ألف ليلة وليلة.
 
وهكذا ومع تباين الثقافات والحضارات والموروثات .. بدأنا نتابع ظهور مدارس فنية مختلفة تشيع لها البعض وانتمى إليها ورصدها الآخرون بالنقد والتحليل فكان ما يمكن أن نسميه الفنون التشكيلية الحديثة ..
 
في مقولة لشارل بودلار عن الفن الرومانسي في زمن ظهوره  " عندما نتحدّث عن الرّومانسيّة نتحدّث عن الفنّ الحديث ,و نعني بذلك الفنّ المتميّز بالحميميّة و الرّوحيّة و الألوان و كذلك النّزوع إلى اللاّمتناهي".