كتب : مدحت بشاي
 
لا ريب أن القيم هي أهم ما نتوارثه عبر الأجيال ، وهي نتاج طبيعي للضمير الذي أودعه خالق النفس البشرية منذ بداية الخلق ، وحتي قبل نزول التوجيهات الإلهية عبر الأديان والعقائد والكتب السماوية وانتشار بيوت الله في المعمورة.. إنها قيم الضمير الإنساني ووخزاته الموجعة التي كان من الضروري استشعارها من قبل قابيل الذي كان يمثل ربع سكان الأرض بعد اغتياله لأخيه هابيل الذي كان يمثل أيضًا ربعا آخر من سكان المعمورة.. وهو أيضا الضمير الذي استنفر كل قوي الخير والترفع النبيل عند يوسف الصديق فمنعه ورغم كل المغريات من ارتكاب الفاحشة.. وهو الضمير الذي دفع برجل في الستين من عمره منذ شهور قليلة أن يقفز في البحر لإنقاذ فتاتين من الغرق وينجح بالفعل إلا أنه يدفع حياته ثمنا لهذا الموقف النبيل ثم بمشاعر المحب لا يتحمل ابن ذلك الرجل الشهم رؤية المشهد ونهاية حياة والده الذي أحبه فيسقط ميتًا حزنا عليه بجوار جثة أبيه.
 
والحديث عن القيم والضمير عبر الأزمان حديث ممتد ومتواصل جاء الإشارة إليها في رسالات السماء وعبر آيات وقصص الكتب السماوية وأحاديث الأنبياء.. وأيضا عبر أشعار الأولين والمحدثين وفنون القدامي والمجددين وإبداعاتهم.. وتظل الكلمة بما تشكل من لغة تواصل حية وسريعة في مقدمة الأسلحة النافذة في تحريك الضمائر وبناء القيم.
 
ورغم أننا نسمع ونشاهد العديد من كتابنا ومبدعينا في وسائل الإعلام المختلفة وهم يكررون عبارة أنهم ليسوا في حاجة لملاحقة الأجهزة الرقابية وأنهم يمتلكون فلاتر خاصة تستطيع تنقية خطابهم للمجتمع والناس من الشوائب والرذائل ، إلا أننا ــ وللأسف ـــ نطالع وبشكل بشكل يومي عبر العديد من منافذ الكلمة المسموعة والمرئية والمقروءة الكثير من المواد الإعلامية والصحفية التي لا يدرك أصحابها قيمة الكلمة ومدي تأثيرها ، فأحالوا دنيانا إلي مساحات قبح باتت تُقلص لدي الناس فرص التقاط الأنفاس والهدوء والرؤية ولو من بعيد لمناطق الأمل.
 
لقد قال الكاتب الرائع " سلامة موسي " منذ أكثر من نصف قرن " إذا كان الأديب يكبر بمقدار مسئولياته فإن الصحفيين هم أعظم الأدباء في عصرنا، لأن أعظم ما يؤثر في الجمهور ويغيره ويوجهه للخير أو للشر هو الجريدة وذلك لقوة الإيحاء الذي ينشأ من تكرار ظهورها كل يوم.. ولذلك أول شرط لبلاغة الأدب الصحفي أن يكون من يمارسه أمينا لقرائه مخلصا لمبادئه لا يخون ولا ينحرف لأن في خيانته أو انحرافه إفسادا للقراء وبعثا للشر، ومهمته أن ينير ويرفع مستوي البحث من ظلام الجهل والعامية إلي نور المعرفة والثقافة، ومن العاطفة إلي التعقل وأنا لا أتصور ماذا كان يمكن أن يقول موسي في 2019 وقد حفلت أكشاك باعة الصحف بجرائد ومجلات صارت تبيع الكذب والوهم وتروج لفضائح أخلاقية متجاوزة كل خطوط الأمان القيمية والانسانية.. تزيف وتشوه المعتقدات وتثير الفتن وتزرع المكائد وتفتعل الحروب وتصنع من المحتالين أبطالا ومن المزيفين للتاريخ شهودًا للعصر، والدخول في منازلات وملاسنات بين قياداتها فيما أصاب أصحاب تلك المهنة بالخجل أن يكون من بينهم هؤلاء.
 
وقد يقول البعض أن ظهور مثل تلك النوعيات من الصحف يعد نتاجا طبيعيا في مراحل الحراك السياسي والاجتماعي للأمم التي تعلو فيها قيم المادية وتنزوي فيها الفضيلة فتزداد مساحات التردي والتخلف والإباحية.. إلا أن الأمر صار يشكل خطورة رغم أنه لوحظ في الفترة الأخيرة أن القاريء قد بدأ يرفض التجاوب والتفاعل مع ما تطرحه تلك الصحافة الفاسدة..
 
وإلي أصحاب وكتاب تلك النوعية من الصحف أذكرهم بمقاطع من المقال الافتتاحي لرئيس تحرير صحيفة المؤيد في أول عدد للجريدة بتاريخ أول ديسمبر عام 1889 أي منذ 117 عاما الذي أراه صالحا لأن يشكل نواة حقيقية لوضع إعلان مباديء يقول : إليكم يا بني مصر جريدة نشأت في مهد الاخلاص حميدة المبدأ والغاية تناجيكم ولا تسر النجوم لسواكم وقد أخذت علي عهدتها بث الأفكار المفيدة والأخبار الصادقة والمبادرة إلي اقتطاف الأخبار والرغبة في استطلاع ما يكون من الأفكار من ودائع الفطرة البشرية غير تاركة شأن التجارة الداخلية والخارجية والبحث في حقيقة الأسعار ومبادلة التجار والأخذ والعطاء وحركات الأسواق وهبوطها وصعودها والنظر في أسباب الارتفاع والانحطاط ومن واجباتها نشر كل ما يهم الوطني معرفته من الحوادث معتمدين في كل ذلك علي البرهان القوي والسند المثبت والعقل.. رعاية للمصلحة الوطنية والخدمة الحقيقية بعد التروي الصادق والبحث الدقيق وإرسال النظر خلف كل سانحة..
 
وفي مقطع آخر يوجه حديثه إلي مراسليه: إن معرفة واجبات مكاتبي الجرائد في البلاد متوقفة علي معرفة حقيقة الجرائد ووظيفتها فيها فمن علم أنها المخبر العام والزاجر الصادع والخطيب والواعظ بالحق والمربي بالحكمة والمشير بالصواب والمنذر بالبرهان والمصلح للخلف بأمثال السلف والمنبه لمطالب الحياة بل صحيفة الأمم ترتسم فيها صور أعمال أفرادهم فقد أحاط علما بمعرفة تلك الواجبات فهم إن أحسنوا عملا وصدقوا خدمة وتنزهوا عن الغايات وتنبهوا لمصادر الأخبار والأعمال وخبروا حقيقة البلاد وحاجاتها ودرسوا أخلاق الأهالي وعوائدها وسبروا أدواء النفوس وأدويتها دروا قيمة ما تتحمله ذممهم وتتكفل به هممهم من مطالب الهيئة الإنسانية كأنها الأمانة التي عرضها الله علي السموات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الانسان، فما يكون علي أيديهم من المنافع والمضار للهيئات بعيد أن يسطره البنان، أو يفصله البيان، أو يحيط بكنهه جنان، فحكمهم حكم أرباب الجرائد علي السواء أمام محكمة العالم مسئولون بتلك الواجبات والحقوق فليعلم الذين يكاتبون المؤيد أنهم ينقدون الأعمال، ويزنون حركات العمال، ويبحثون عن منافع البلاد لاستجلابها والتماسها وعن مضارها لدرئها..
 
اكتفي بذلك القدر من سطور صاحب المؤيد علي أمل أن تكون كافية لعل الوسط الصحفي يتطهر من رجس وجود الصحف إياها.. وأخيرا نحن في مواجهة تحد يفرض علينا العودة لإعلاء قيم عليا ورفيعة.. وأن نعود لضمائرنا ليكون سعينا لبناء العقول هو الأهم لنؤكد من جديد ونهتف مع جيمس برستد هنا في مصر ولد الضمير