د. مينا ملاك عازر
توقفنا في المقال السابق، عند ما فعلته الثورة بشركات القطاع الخاص من تأميمها، وكان هذا بشكل انتقائي في أغلب الأحوال وبحسب من يرضيهم، ولا ألقي بالمسؤولية على شخص ولكن على نظام في انهيار الاقتصاد المصري وتورطه في العديد من الحروب الخارجية وحركات التحرير التي برغم أنها جعلت لمصر صوت وصدى إعلامي لكنها كلفتها الكثير، وهنا تكمن المحاسبة، هل كان تكلفة ما فعلناه تتوافق مع المردود الذي توقعناه؟ السؤال صعب ومؤلم لا جدال في هذا، لكن الأكثر ألماً وضيقاً بالنسبة لي أن الثورة ورطتنا في ما هو أشد وأنكى ألا وهو حرب اليمن الذي حاكت لنا القوى الخارجية المؤامرة، صح وورطتنا فيها بلدان عربية وعقول غبية لم تكن قارئة جيدة للفخ الذي نحن نتجه له بكل سرعتنا وقوتنا، وهنا خسرنا رجالنا وسلاحنا وأموالنا التي دفعناها شراء لولاءات، كما خسرنا عمقنا العربي الذي أيدنا مرة أخرى حين سقطنا في كارثة النكسة التي لن أستفيض في سوءاتها وآثارها الاقتصادية البغيضة التي عذبتنا للآن، وتؤرق المنطقة، وخسرتنا الكثير من الأرض التي نحاول للآن كعرب استردادها.
 
أنتقل بسيادتك لمسألة أخرى، فمن الثورة التشريعية والتي حيكت لمصالح خاصة، ومن الثورة الاقتصادية التي فشلت في أن توجد هوية اقتصادية لمصر، استسهل بعدها الشعب أثناء الانفتاح، واختار الهوية التجارية التي أبداً ما كانت لنا، فعملنا مكاتب الاستيراد والتصدير دون أن يكون لدينا ما نصدره، فاستحلنا لمستوردين مما أضر باقتصادنا، ننتقل الآن لثورة أخرى وهي الثورة على الشعب نفسه الذي ادعى ناصر أنه علمه العزة والكرامة، مع أن شعب مصر طول عمره شعب أبي وكريم وعنده شمم ولا يحني رأسه سلطان، لكنه ابتلع الإهانة من من كان يحبه أو بغير رضا منه، قهراً يعني بمعنى أنه ماذا كان يفعل إزاء إهانة كهذه؟
 
ثورة على الشعب جعلت تيارات الشعب كلها ممثلة في المعتقل، اشتراكيين شيوعيين إخوان ليبراليين وغيرهم، ما داموا يعارضون وخلاص، فهم يستحقون الاعتقال، الاعتقال وكفى.
 
أسوء الثورات ثورتهم على التعليم الذي انهار وليس لمجانيته فهو مجاني من أيام الملك بحسب طه حسين الذي قرر أن يجعله كالماء والهواء، لكنه لم يكن يعرف أن من بعده سيلوثون الهواء والماء والتعليم أيضاً، ففتحوا الباب خفية للتعليم الديني الذي لوث الثقافة المجتمعية المصرية، وأذى مشاعر المصريين وجعلهم رقباء بعضهم على بعض، ومدعي تدين ومكفراتية، وازداد الأمر سوء إلى أن وصل الحكم على النيات والضمائر وما في القلوب بحسب آراء بعض المدعين.
 
لا أدين الثورة، ولا أشكر فيها، فقط عرضت على أي شيء ثارت عليه الثورة، وكيف كانت النتائج، ولك أن تقرر إن كانت ثورة أم أكذوبة أو أسطورة؟ قرر إن كانت حقيقة، هل هي حقيقة مريحة أم مؤذية أو مرض عضال فت في عضد الأمة.
 
المختصر المفيد كم من الجرائم ترتكب باسم الثورات.