نحن بالتأكيد لا نتعلم .. فأحداث التاريخ تتكرر بصورة مأساوية عندما يحكم المماليك بالقوة ..و تضعف الأمة .. فتنهشها الديابة من كل جانب .. جزء من كتاب (بدائع الزهور .. لإبن إياس )) تمت أحداثه في القرن الرابع عشر ..لمن يريد أن يتأمل .. و يتألم .
 
((الأتابكى يلبغا اختار طفلا عمره اثنتى عشرة سنة ليصبح فى 15 شعبان 764 هـ ـ 30 مايو 1363 م السلطان الجديد باسم الملك الأشرف زين الدين أبى المعالى شعبان )) أحد أحفاد قلاوون
 
((السلطان الجديد كان كالعصفور فى يد الصقر( يلبغا) يفعل به ما يريد فأخلع على من أخلع و أعاد تقسيم الولاة على الأقاليم و الاقطاعات على المماليك السلطانية و أرض الجند بكل ما يمكن ))
 
عزبة أبوهم يفرقوها زى م هم عايزين !!..
 
ولكن كان للطاعون رأى آخر فقد هاجم القاهرة
 
(( ومات به مالا يحصى من الناس من صغار وكبار ثم وقع عقيب ذلك الغلاء بالقاهرة وكان سبب ذلك أن النيل توقف عن الزيادة .))
 
الفرنج أيضا (( هجموا على ثغر الإسكندرية فى سبعين مركبا من الأغربة البحرية وهى مشحونة بالرجال والسلاح وملكوا الثغر .)) 
(( وقد لعب عساكر الفرنج فى أهل المدينة بالسيف واستشهد خلق كثير من المسلمين وهلك من الناس مالا يحصى عددهم فى الازدحام عند عبور باب المدينة )) .
 
(( ونهبوا جميع ما فى مدينة الإسكندرية وقتلوا من المسلمين نحو خمسة آلاف إنسان و أسروا النساء والأطفال وكانت حادثة مهولة لم يسمع بمثلها )) .
(( وقد أقاموا يقتلون ويأسرون ويسبون وينهبون أموال الناس ويحرقون عدة أماكن ودكاكين من صحو نهار الجمعة الى بكرة نهار الأحد فرفعوا السيف عن أهل المدينة فكانت مدة أقامتهم بثغر الإسكندرية ثمانية أيام )) 
 
(( فمن يومئذ اختلت أحوال ثغر الإسكندرية وتلاشى أمرها و قلت أموالها واختل نظامها ورحل عنها سكانها )).
 
ماذا فعل المماليك ؟ .
(( رسم بالقبض على جميع الفرنج الذين كانوا بمصر والشام وبحلب وسائر الأعمال قاطبة فلما قبض عليهم أودعهم فى الحبوس حتى يرى ما يكون من أمر من أسر من المسلمين وضيق عليهم وقاسوا مالا خير فيه فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مر بالإسكندرية من الحوادث )) .
جمع الأموال .. و فرض و جبي ضرائب ثم .. 
 
(( شرع الأتابكى يلبغا فى عمارة مراكب أغربة . . . . . لإرسال تجريده الى قبرص وغيرها من بلاد الفرنج فقدم نحو مائة غراب )) . ((وقد كملت عمارة الشوانى البحرية وكان عدتها مائة قطعة ما بين أغربة وطرايد . . . استخدم لها من الرجال ما يكفيها ما بين مغاربة وتراكمة وصعايدة ورتب لهم رؤساء ونقباء ))... ولم تستخدم قط .
 
العرب أيضا (( وقد قدم الخبر بكثرة فساد أولاد الكنز وطائفة العكارمة بأسوان وسواكن و أنهم منعوا التجار وغيرهم من السفر لقطعهم الطريق و أخذهم أموال الناس بغير حق و أن أولاد الكنز قد غلبوا على ثغر أسوان وصحراء عيذاب وبرية الواحات الداخلة وصاهروا ملوك النوبة و أمراء العكارمة و اشتدت شوكتهم )).
 
ملك النوبة أقام لهم وليمة ((جمع فيها أمراء بنى جعد وكبارهم وقد أعد لهم جماعة من ثقاته ليفتكوا بهم فأخليت الدور التى هى حول مضيفهم و ملأها حطبا .. فلما أكلوا وشربوا ثم ناموا خرجت عليهم جماعته بأسلحتهم و أقاموا على باب الدار و أضرموا آخرون النار فى الحطب فلما اشتعلت النار بادر العربان للخروج من الدار فوقع فيهم القوم بالقتل فقتل منهم تسعة عشر أميرا من أكابرهم ثم ركب الى عسكرهم فقتل منهم مقتله كبيره وانهزم باقيهم )).
 
إزاء هذه الفوضى أرسل السلطان تجريده من نحو ثلاثة آلاف مملوك عندما وصلوا الى أسوان (( فدبر حيلة مع ملك النوبة على طائفة أولاد الكنز والعكارمة فقبضوا عليهم أجمعين )) ... و(( أحاطوا بالعربان والعصاه أجمعين بجزيرة ميكائيل عند طلوع الشمس فأسروا من كان بها من طائفة العكارمة وقتلوا عدة منهم كبيرة وقد أرموا عليهم بالنشاب ففر جماعة منهم وتعلق بالجبال وجماعة منهم غرقوا فى البحر )) . 
 
(( وحمل على الجمال ما غنمه من كسب العرب من النهب . . . . . فرق عدة من السبى على الأمراء والمماليك )) . (( ثم عاد العسكر وهو منصور على العرب فدخلوا فى موكب حفل وقدامهم أمراء الكنز و أمراء العكارمة وهم فى الحديد وبقية الاسراء فى حبال )) .
 
أى حكم هذا الذى زاوله المماليك فى ذلك الزمن و أى قدر كتب على المصريين أن يعانوه من الطاعون و القحط والفرنج والعرب و المماليك .
 
فى النهاية قويت شوكة السلطان الطفل واستطاع أن يجمع حوله بعض الأتباع ويحارب الأتابكى يلبغا وكان الناس تتوجه الى جزيرة أروى بسبب الفرجة على المقاتلين وما يصير بين الأشرف شعبان و الأتابكى يلبغا وقد صارت العوام يتعصبون للسلطان الأشرف شعبان
 
انتهت هذه المعركة بهروب يلبغا والقبض عليه
(( فلما وصلوا به الى رأس الصوه عند الحوض الكبير تقدم إليه شخص من مماليكه فضربه بالسيف فأرمى رأسه عن جثته فأخذها بعض المماليك ووضعها فى مشعل وقد أضرم ناره ونزلوا بها من الصليبة وتوجهوا بها الى داره التى فى الكبش ... فلما طلع النهار أحضروا رأسه بين يدى السلطان .))
 
العوام أيضا ((فلما تسمع العامة بذلك يحتاطوا به ويسلبوه من أثوابه ويقتلوه أو يهرب من أيديهم وينجو من القتل فنهب فى هذه الحركة من الدور ما لا يحصى عددها وقتل من الناس جماعة كثيرة فغلقت الأسواق وتعطلت من البيع والشرى واختفت الأتراك فى بيوتها خوفا من الرجم من العوام )) .
 
سبحـان الله انتفاضـــــة حرامـــية 768 هـ .
(( وكان مماليك يلبغا قد جاروا على الناس وصاروا يهجمون على النساء فى الحمامات ويخطفون الصبيان المرد من الأسواق و يخطفون القماش والبضائع من الدكاكين )).
 
(( ثارت فتنة مهولة بين الأمراء ولبسوا لامه الحرب وطلعوا الى الرملة فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية )).
 
العامة ثاروا على الولاة الظلمة وطالبو بعزلهم أو قتلهم.
(( فتعصب عليه العوام ووقفوا تحت القلعة ومنعوا الأمراء من الطلوع الى القلعة وصاروا يرجمون الناس فأرسل السلطان إليهم بعض الأمراء وهو يقول " أين قصدكم ؟ )) فقالوا له ((قل السلطان يسلمنا علاء الدين بن كلبك شاد الديوان )) أى أمير القاهرة 
(( فلما جرى ذلك تعصب العامة على الوالى والحجاب ووقفوا فى الرملة تحت القلعة وصاروا يستغيثون ويضجون بالشكوى من الوالى والحجاب )).
 
(( فلما كان يوم الأربعاء ثامن عشرينه ركب الوالى وقصد الطلوع الى القلعة فرجمته العامة حتى كاد يهلك فالتجأ منهم بباب السلسلة وظل نهاره كله فيه والعامة وقوف له تحت القلعة الى قريب العصر وصاروا يرجمون كل من يمر بهم من الناس )) .
 
فى النهاية أرسل السلطان عليهم بعض من مماليكه (( فرجمتهم العامة رجما متداركا فانكسروا كسرة قبيحة )).
 
(( ثم ركب الأمير الجاى اليوسفى أمير سلاح وقسم الخطط والحارات على الأمراء و أضاف اليهم جماعة من المماليك السلطانية و أمر بوضع السيف فى الناس قاطبة وجرت بسبب ذلك خطوب شنيعة و أمور وضيعة فقتل فى هذه الحركة من الناس ما لا يحصى عددهم و ذهبت دماؤهم هدرا وسجنوا آخرين منهم فى الحبوس و امتدت أيدى الترك الى العامة حتى أنه كان الجندى يدخل حانوت البياع من المتسبين ويذبحه فى دكانه ويمضى .. فلم تقم للعامة قائمة بعد ذلك )).أغتيل السلطان عام 778هـ ودفن في قبة مدرسة أم السلطان شعبان بمنطقة الدرب الأحمر
 
كابوس .. صراع مسلح داخل السلطة .. هجوم من الخارج .. هجوم العربان علي المناطق البعيدة .. ثورة الشعب .. و التنكيل بالجميع .. غلاء فاحش ..قحط.. أوبئة و طواعين .. ضرائب و مكوس .. و جباية لعمل إسطول لم يستخدم .. كل هذا خلال عقد و نصف من الزمان 14 سنة هجرية ..من حكم المماليك .