■ ومن ذا الذى يجرؤ على الكتابة فى موضوع آخر غير مباريات الأمم الإفريقية وقد باتت الحياة «كرة وبثا أرضيا ومشجعين اقتربوا من ١٠٠ ألف فى استاد القاهرة؟».

■ نعم، الكرة الإفريقية صارت «تتصدر» كل المهام الأخرى؛ ذلك أنها مصدر أفراح المصريين وإن كنت أرى أنها ليست وحدها فقط مصدر الفرح، فالرخاء النسبى المفترض مصدر فرح، والمواصلات المريحة مصدر فرح، وفرص عمل للشباب مصدر فرح، أنا لا أحترف ضرب الكلوبات ولكن كلمة الحق لا تتوه وسط الصخب العالى!

■ أهم ما لفت نظرى فى هذا العرس الكروى هو «تحضر» جماهير الكرة المصرية فى الاستاد، نعم، هذا شعب بلا كتالوج، فقد برهن للعالم أنه من طراز جماهير الرقى فى المشاهدة والنظام والامتثال للقوانين واحترام المشهد العام. إنه شعب النضج حين يشاء، شعب المتعة إذا أراد. خرجت العيلة المصرية- لأول مرة- آباء وأمهات وبنات وشبابا وجدات فى تشكيل منظم، شطب الشعب من قاموسه كلمة «الهرجلة» أسوأ ما يصعب تدافع الجماهير إلى المباريات. جماهير الكرة من منتصف النهار جاءوا إلى الاستاد والمباراة فى العاشرة مساءً، ٩ ساعات فى انتظار المتعة التى تشرح الصدر بلا ملل أو كلل، إنه الصبر الصبور!

■ من ينكر أن ما رأيناه ليلة الجمعة من مشاعر مصرية والتفاف مصرى حول فريقنا المنتخب هو فى واقع الأمر «أجمل سبيكة انتماء». لا أحد قادر على زرعها أو استنباتها غير الكرة. قل ما تشاء تحيز، تعصب، ليكن! فالانتماء للبلد هو تعصب إيجابى، هو تحيز له طعم الوطن.

■ «الإبهار» هو عنوان هذا الحدث الذى استغرق شهوراً أربعة ليل نهار، فقد هجر الرجال مخادعهم وزوجاتهم من أجل «مأمورية» لها طابع قوى وفاترينة محترمة أمام العالم نفخر بها ونزهو، نعم مصر قادرة على إبهار العالم بصورة لم تخطر على بال.

■ أمن مصر الآن ينتهج نهجاً جديداً عنوانه «الأداء العالى بصمت» أعترف بأن الليالى الطويلة التى سبقت الحدث الضخم فى الإعداد والتنسيق ورسم الخرائط والافتراضات غير المتوقعة كانت محل «حوارات أمنية» طويلة بين المتخصصين، وأثمر هذا النسق الرائع نظاما بديعا بديعا. وهذا يرسم بجلاء قوة الأمن فى مناسبة عالمية بكل المقاييس. إنها أيضاً رسالة للحاقدين والموتورين بأن فى مصر «بوليس يحسب له ألف حساب» يصنع مع القوات المسلحة درعاً سميكة فولاذية لحماية شعب مصر وضيوفه من القارة السمراء.

■ عندما يذهب رئيس مصر السيسى إلى «الملعب» فهى رسالة معنوية لتشجيع المنتخب المصرى، حين وقف معهم فى التدريب قال إنه يريد أن يرى «صورة محترمة نهديها للعالم» لم يتكلم عن المكسب والخسارة بل عن الصورة الجدير بها الشعب المصرى المحتفى بضيوفه السمر.

■ لن أخفى شعورى ببعض الغيرة من اهتمام الرئيس بأحوال الكرة المصرية، تمنيت أن أرى اهتماماً بالنخب والمثقفين والمفكرين والجادين فى أمور الفكر صناع وجدان مصر، إنها غيرة مشروعة لواحد من قبيلة الصحافة قضى فى بلاطها نصف قرن أو يزيد ويؤمن مع د. ميلاد حنا أن «الأعمدة السبعة للتنوير» تتضمن الفكر والتنوير والتحديث والتجديد، وإذا كان لأقدام اللاعبين العظام «إنجاز رياضى» مرموق، فإن للعقول الغالية مساهمة محل الاعتبار والتقدير.. والتأثير.

■ ركزت فى النجم الأيقونة حديث المدينة وكل مدن العالم محمد صلاح بعد أن جئت بمتخصص أبهجنى حين ظهرت شارة تايم سبورت الأرضية والحق يقال إن البث الأرضى يكسر أى احتكار حصرى، فمن حق بسطاء مصر أن يروا المباراة، فاستمتاع كل المصريين حق شرعى ودستورى. قلت إنى ركزت على محمد صلاح فلم أره، كانت الكرة تذهب إليه وتخاصم قدميه، فلم يوقع طوال المباراة الأولى لمنتخبنا بالبطولة بهدف يرضى الملايين العاشقة لـ«مو»، ركزت فى محمد صلاح فشعرت أنه لا يشتبك، فهل خاف على قدمه أم خانته الكرة فراحت لغيره؟ المهم أن نجم الدنيا لم يسعد جماهيره كما حلمت ورغبت وتمنت إنهز شباك الفريق المنافس من تسديدة محمد صلاح لها طعم ثان. نعم شعب مصر تتعلق عيونه بقدم «أبومكة» هذا الساحر القادر على ترويض المستديرة!

■ هذا الشاب المحترم المتواضع قليل الكلام كثير الإنجاز د. أشرف صبحى، وزير الشباب، راهن على عودة جماهير الكرة بضوابط قومية وأمنية وكسب الرهان الصعب وربما المستحيل، لقد أعاد لى المشهد مباريات الضظوى وصالح سليم والخطيب وحازم إمام وفاروق جعفر وأبوتريكة قبل أن يتأخون.

■ هذه الأعلام المصرية التى رفرفت فى أيدى الصغار والكبار حين كسبنا الفريق المنافس «١/صفر»، هى مظاهرة حب ليتها تتكرر فى مجالات عدة فى بلدنا. ليس بهدف واحد بل بأهداف، فى السياحة والتصدير والاستثمار والتعليم والإعلام والزراعة والصناعة، إنها مناسبة عظيمة أن تكون بين أيدينا «أجندة معلومات عن القارة السمراء» الفرص المتاحة للتعاون الثنائى، الفرص المتاحة للاستثمار، الفرص المتاحة لعمال من مصر إلى البلاد الإفريقية، الفرص المتاحة أمام تدريب الأفارقة فى مصر، الفرص المتاحة فى التصدير إلى الأفارقة، التعاون المثمر الفعال بين أقطار القارة على اختلاف ثرواتها.

■ هذا هو «الهدف» الذى تحققه مصر فى المرمى.. وربما كانت الكرة مدخلاً رياضياً يمهد لأرض إفريقيا المعطاءة وضربة جزاء لمن يعطل نيل مصر الإفريقى عن الوصول إلى الوادى، وأوفسايد لمن يحاول سرقة ثروات إفريقيا فى وضح النهار!
نقلا عن المصري اليوم