977 حالة عقر فئران في محافظة المنوفية خلال 5 أشهر
داخل أرضه بمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، كان "عبدالحميد.م"، 34 عاماً، منحنياً بين سنابل القمح التى غطت مساحات أرضه وحولتها إلى اللون الأصفر، يمسكك بيديه "المنجل" لحصد أكبر كمية من المحصول قبل غروب الشمس، ومن حوله يلعب طفله مع بعض جيرانهم، كل شئ كان يسير على ما يرام حتى تحول فجأة صوت ضحكات الصغير إلى صراخ متواصل، هم "عبدالحميد" إليه مسرعاً، ليجده ملقى على الأرض، ممسكا بإحدى قدميه، قائلاً له بصوت مختلط بالبكاء: "فيه فار عضدني وجري".

وقتها لم يكن يعرف ماذا عليه أن يفعل حتى نصحه أحد أقاربه بالذهاب إلى الوحدة الصحية لمتابعة حالته، وهناك تلقى طفله الذي لم يكمل عامه السابع بعض الإسعافات الأولية بعد معرفة سبب إصابته ثم تم تحويله إلى مستشفى شبين الكوم التعليمي للحصول على المصل المناسب للعقر، بحسب ما قال "عبدالحميد": "في الوحدة طهروا ليه الجرح، وقالو لنا لازم ياخد مصل لأن عضة الفار ماتختلفش عن الكلب، وحولونا للمستشفى وهناك أخد أول جرعة من العلاج وخرجنا في خلال ساعة، وبعدها ماظهرش عليه أي أعراض الحمد لله".

تنتشر الفئران عادة في الأراضي الزراعية وخصوصاً في وقت حصاد المحاصيل، وفقاً لكلام "عبدالحميد"، لكنها في السنوات الأخيرة ازداد أعددها بشكل مبالغ فيه نتيجة لتراكم القمامة التي تحيط بأرضهم وانتشار المخلفات الزراعية، فضلاً عن عدم تطهير الترع والمصارف: "حياتنا مهددة بسبب انتشار الفئران والثعابين والكلاب في البلد، بقينا نخاف على ولادنا أنهم يروحوا الغيط لأحسن ما يرجعوش، وبنتمنى المسئولين يهتموا بينا وبالأرض اللي حليتنا".

لم يكن مركز شبين الكوم وحده الذي يعاني سكانه من انتشار الفئران وعقرها لهم، حيث كشفت إحصائية حصلت عليها "الوطن" لمديرية الشئون الصحية بمحافظة المنوفية عن تصاعد الإصابات بـ"عضات" الفئران في كافة مراكز وقرى المحافظة في الفترة ما بين يناير من العام الحالي حتى نهاية مايو الماضي، إذ بلغ عدد المصابين على مدار الـ5 أشهر 977 حالة عقر من الفئران، وجاء مركز أشمون وفقاً للإحصائية، الأعلى في عدد حالات العقر بـ349 حالة، نظراً لطبيعتها الريفية وإنتشار مقالب القمامة بها، يليه مركز شبين الكوم، حيث سجلت المستشفى التعليمي بها 111 حالة، ثم مركز منوف الذي تم علاج فيه 105 حالة خلال تلك الفترة.

أما مركز الباجور سجل 87 حالة إصابة، وفي مدينة سرس الليان أصيب 84 حالة بالعقر، فيما سجلت المستشفى المركزي بمدينة السادات 66 حالة عقر، وإستقبلت مستشفى قويسنا المركزي 52 حالة، وفي بركة السبع أصيب 46 حالة، تلاه مركز الشهداء بـ45 حالة، بجانب 16 حالة من نفس المركز استقبلتها مستشفى زاوية الناعورة، أما المركز الأخير كان من نصيب مركز تلا الذي أصيب فيه 16 حالة.


وفي قرية مؤنسة التابعة لمركز أشمون، كانت هناك حكاية أخرى لسيدة أربعينة عقرها فأر أثناء عملها مما أدى إلى إصابتها بجرح في قدمها، دفعها إلى الذهاب للمستشفى المركزي للكشف عليه والحصول على العلاج المناسب له، ترويها "سعاد.م"، قائلة بلكنتها الريفية أنها اعتادت الذهاب يومياً مع زوجها إلى "الغيط" لمساعدته في فلاحة الأرض وخصوصاً في موسم الحصاد الذي ينتظرونه بـ"فارغ الصبر"، لكن يوم الحادثة كان مختلف كثيراً عن ما سبقه، حيث فوجئت أثناء تنظيفها لـ"الحظيرة" وصومعة القمح بفأر يقفز من داخل الصومعة ويعقرها في قدمها وهي حافية: "كنت بسمع في بلدنا عن الحكاية كتير دي بس ماكنتش أتخيل إني هيحصل فيا كده، لقيته مرة واحدة على رجلي ماعرفتش أعمل حاجة غير أني أصرخ".

عبدالحميد: بقينا نخاف على ولادنا أنهم يروحوا الغيط لأحسن ما يرجعوش..عبدالرسول: قدمنا شكاوي كتير للمسئولين في المحافظة والزراعة وماحدش بيسأل فينا


لم تتردد "سعاد" بعد عقرها في الذهاب إلى الوحدة الصحية التي تبتعد عن أرضهم قليلاً لتلقي العلاج بعدما سمعت من جيرانها وأقاربها عن خطورة العقر، وفقاً لكلامها: "رحت الوحدة قالو لي لازم تاخدي مصل على طول وحولوني على المستشفى بأشمون، وهناك أخدت جرعات العلاج، رغم ان ماكنش ظاهر عليا أي أعراض، بس هما قالولي أن ده لازم".

أسباب عديدة دفعت السيدة الأربعينية إلى عدم الاستهانة بـ"العضة" والذهاب إلى المستشفى على الفور للاطمئنان على حالتها، من بينها وفاة أحد المزارعين في قريتهم بعد عقر فأر له بأيام قليلة، حيث ظهرت عليه بعدها بعض أعراض التعب لكنه لم يبالى لسببه حتى توفي، بحسب كلام "سعاد" التي أكدت أن هناك وجود تحذيرات كثيرة من قبل بعض الأطباء بعدم الاستهانة بعقر الفئران لأنها ناقلة للأمراض والفيروسات وقد تسبب الوفاة كما حدث من قبل.

وعن أسباب انتشار الفئران في قريتها، توضح "سعاد" التي عقرت منذ 3 أسابيع، أن قريتها تقع بالقرب من محطتي صرف صحي بجانب الترع التي لا يتم تطهيرها ووجود مقالب قمامة منتشرة فيها، مما يسبب زيادة ظاهرة الفئران وتكاثرها بشكل مبالغ فيه وخصوصاً في فصل الصيف التي تهرب فيه من حرارة الشمس وسط الزراعات وأحياناً داخل بيوتهم مما يعرض حياتهم للخطر، على حد تعبيرها: "الفيران دلوقتي بتدخل علينا بيوتنا، وحجمها بيبقى ضعف الفار العادي، وخطورتها ما تقلش عن الكلاب والتعابين، يعني ممكن في أي لحظة حد منا يموت لو متعالجش كويس من عضته".

وفي قرية كفور الرمل التابعة لمركز قويسنا، كانت أسباب انتشار الفئران وعقرها للسكان واضحة، فقبل 7 سنوات، فوجىء أهالي القرية بإنشاء مصنع لتدوير المخلفات بالقرب من أرضهم، ورغم اعتراضهم في بداية الأمر خوفاً على "الزرعة"، إلا أن المصنع كان يعمل دون أن يلحق بهم أي ضرر، لكن بعد فترة قصيرة من افتتاحه تعطلت المكاينات به وتحول المكان إلى مقلب القمامة ومحرقة لتتحول معه حياة الفلاحين إلى جحيم، على حد تعبيرهم.

فعلى بعد خطوات من مقلب القمامة، كان "عبدالرسول النجار"، مزارع، يجلس مع أسرته تحت شجرة يحتمون فيها من أشعة الشمس الحارقة، منتظراً الانتهاء من ري أرضه حتى يعود إلى منزله، يقول أنه عاني كثيراً منذ إنشاء المصنع الذي كان سبباً في تدمير صحتهم من ناحية وأرضهم من ناحية أخرى، حيث تحول المكان مع مرور الوقت إلى مأوى للفئران والثعابين فضلاً عن الكلاب الضالة، وفقاً لكلامه: "إحنا تضررنا في صحتنا، عيالنا كل يوم عند الدكاترة بسبب اللي بنشوفه، حتى الزرع اللي بناكل منه عيش بيموت لأن الفيران والكلاب بتطلع بالليل تبهدله".

يصمت "عبدالرسول" قليلاً ليطلب من أحد أبنائه الذين يعملون معه في الفلاحة تسليك المصفاة الخاصة بماتور الري، ثم يعاود حديثه، قائلاً بنبرة غاضبة: "حتى الترعة اللي بنسقي منها الزرعة بقت كلها حيوانات ميتة، ولازم كل شوية حد مننا ينزل فيها يسلك الماتور لأنه بيتسد والمياه مش بتوصل للأرض، ومابقناش عارفين نعمل إيه".

على مدار السنوات الماضية، قدم الرجل الخمسيني وبعض الفلاحين بالمنطقة شكاوي عديدة لوزارتي الزراعة والبيئة أملاً في إيجاد حل لمشكلاتهم، لكن دائماً تأتي دون جدوى رغم أن وضعهم يزداد سوءاً، بحسب كلامه، إذ اضطر أغلبهم الاكتفاء بالذهاب إلى "الغيط" نهاراً فقط، تجنباً لعقر الحيوانات التي تنتشر ليلاً: "بقينا نفادي روحنا، وبنشتغل بالنهار بس بعد ما كنا بنبات في أرضنا، لأن الفيران والتعابين بتطلع من جحورها بالليل وبتنتشر بين الزرع، فبيبقى سهل أنها تعض أي حد مننا".


وهو الأمر نفسه الذي يعاني منه سكان قرية ميت شهالة التابعة لمركز الشهداء، والتي كان لأحد أبنائها حكاية جعلته ضمن قائمة المصابين بالمحافظة بعدما عقره فأر أثناء جمع محصول القمح بأرضه، حيث يشتكي أهلها من انتشار أعداد كبيرة من الفئران والزواحف داخل الزراعات والتي تكاد تقضي على أي محصول يقومون بزرعه، بجانب تعرض حياتهم للخطر بسبب عقرها لهم، وفقاً لكلام "رمضان زهره"، مزارع، الذي أكد أن سبب تكاثرها وجود مصنع تدوير مخلفات يفصل بينه وبين أرضهم سور قصير، يستقبل مئات الأطنان من القمامة رغم تعطل خطوط إنتاجه، ما يتسبب في تراكمها وتجمع الحيوانات فيها، وبعد سقوط السور الذي كان يحول بينهم وبين مخلفات المصنع إنتشرت الفئران والثعابين والكلاب الضالة داخل أرضهم وأماكن سكنهم، وفقاً لكلامه: "اشتكينا كتير من اللي بنشوفه طالع لينا من مصنع التدوير ومفيش فايدة، وكل شوية يرموا علينا زبالة ومخلفات رغم أن المصنع مش شغال، ورحنا لكل المسئولين في المحافظة ومفيش أي رد علينا".


يتذكر "زهره" ما حدث أمام عينه قبل أشهر قليلة، حين انتفض من مجلسه على صرخة ابن جاره، الذي ذهب إليه مسرعاً ليسأله عما حدث: "لقيته بيقولي الحقني في فار كبير عضني"، قبل أن ينقله إلى المستشفى للحصول على الجرعات اللازمة للعقر، مضيفاً: "بنحاول نتجنب عضات الفئران ولدغات العقارب والثعابين بأننا نشتغل الصبح بدري، وبقينا نلبس الكزلك عشان يحمي رجلينا وإحنا بنروي الأرض أو بنحصد الزرعة، بس مافيش فايدة لازم كل فترة حد منا يتعض، ده غير اللي أرضه بتبور بسبب الزواحف اللي بتاكلها طول الليل".

"عقر الفأر للمواطن لا يقل خطورة عن عقر الكلاب الضالة لأنها قد تنقل مرض السعار له إذا كانت مسعورة من كلب أو خفاش"، هكذا بدأ الدكتور "محمد عبدالستار"، مدير عام الطب الوقائي بمديرية الصحة بالمحافظة، حديثه لـ"الوطن" عن خطورة انتشار الفئران، موضحاً أن علاجه يختلف باختلاف مكان العقر، فإذا كانت باليد أو القدم يحصل المريض على 5 جرعات من المصل حتى إن لم يظهر على المصاب أي أعراض، فالجرعة الأولى من المفترض أن تأخذ بعد العقر مباشرة، ثم جرعة ثانية بعد 3 أيام، والجرعة الثالثة بعدها بأسبوع.

أما الجرعة الرابعة بعد أسبوعين، وأخيراً الجرعة الخامسة بعد 28 يوم من الحادثة، أما إذا كان العقر بالوجه أو الرقبة يتبع معاها علاج آخر يتمثل في حصوله على جرعة واحدة مكثفة بعد العقر مباشرة لضمان عدم وصول الفيروس إلى المخ، وفقاً لكلام "عبدالستار"، مضيفاً: "هناك اعتقاد خاطىء بأن الفئران تسبب الطاعون ولكن الذي ينقله للفرد وجود برغوت يعيش عليها وهي التي تسبب المرض وليس عقر الفأر كما يقال، ولكن خطورة الفئران في نقلها لمرض السعار الذي قد يؤدي إلى وفاة المصاب بعد عدة أيام في حالة الاستهانه بالعقر وعدم حصوله على المصل الازم".


ولمعرفة أسباب تزايد أعداد المصابين في كافة قرى ومراكز المحافظة، توجهنا إلى الدكتور "نصيف حفناوي"، وكيل وزارة الصحة بالمحافظة، الذي أكد أن دوره يأتي بعد إصابة المواطنين بالعقر بتوفير الأمصال لهم بكافة مستشفيات المحافظة وتسجيل الحالات وأعدادها بكل مستشفى شهرياً لإبلاغ المحافظة ومديرية الزراعة وإدارة الطب الوقائي والبيئة لإتخاذ الإجراءات اللازمة، مؤكدا وجود تنسيق كامل بين كافة المديريات للقضاء على ظاهرة انتشار الحشرات والقوارض التي زادت مؤخراً، إذ تستقبل أغلب المستشفيات حالات يومية مصابة بالعقر سواء من فئران أو ثعابين أو كلاب ضالة.


ويوضح "نصيف" أن مكافحة الفئران مسئولية مديرية الزراعة بالمحافظة، إذ يتم تسليمها شهرياً إحصائية بعدد المصابين وأماكنهم بحيث لتسهيل المهام عليهم في القضاء على أي بؤرة تنتشر فيها فئران أو ثعابين."لم يتم إبلاغ مديرية الزراعة بوجود أي حالات عقر فئران خلال الأشهر الماضية".. كان ذلك رد الدكتور "حمدي السيد"، وكيل وزراة الزراعة بالمحافظة، عند سؤاله عن أسباب انتشار الفئران رغم أنه الجهة المنوط بها مكافحة الفئران، مضيفاً: "اتفاجئت من على النت بأن فيه حالات عقرها فئران في المحافظة عندي وماحدش بلغني، رغم المفروض أن مديرية الصحة بما أنها بتستقبل الحالات تعرفنا أن فيه عقر فئران في منطقة معينة بحيث أني أنزل فرق هناك ونتعامل معاها".