الأقباط متحدون - حديقة الكومنولث
  • ٠٢:٠٧
  • الاربعاء , ٢٧ فبراير ٢٠١٩
English version

حديقة الكومنولث

مقالات مختارة | لواء دكتور/ سمير فرج

٣٣: ٠٩ م +02:00 EET

الاربعاء ٢٧ فبراير ٢٠١٩

مقابر الكومنولث
مقابر الكومنولث
لواء دكتور/ سمير فرج
فور خروجك من مطار الأقصر، متجهاً إلى قلب المدينة التاريخية، وتحديداً بعد مرورك من أمام طريق الكباش، ستصطدم بمقابر جنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، المعروفة لدى أهالي الأقصر بمقابر الكومنولث، والتي أختارها الحلفاء، كما يشاع، خلال الحرب العالمية الثانية، لدفن ضحاياهم، بعد نقلهم من أفريقيا، بواسطة الطائرات البرمائية، التي كانت تهبط في نيل الأقصر. يتكون المكان من 60 مقبرة، يحيطهم سور متواضع، في الشكل والتصميم، وغرفتين للخفراء، ويشرف عليه سفارة الاتحاد الأوروبي في القاهرة.
 
كان المنظر سيئاً للغاية، ولا يليق بمدخل المدينة التي تحوي ثلثي آثار العالم، فقررت إنشاء جدارية كبيرة أمام سور المقابر، في محاولة لتحسين المنظر، خاصة في أعين السائح، إلا أنني، في الحقيقة، لم أكن راضياً عن الموقف برمته، كمصري أولاً، وكمسئول عن تلك المدينة العريقة ثانياً، فاتخذت قراري بنقل هذه المقابر، وأنا أعلم، مسبقاً، بصعوبة تنفيذه، لما سيتطلبه من إقناع حكومات 6 دول أوروبية، تحاول كل منها الحفاظ على رفات جنودها.
 
بدأت تنفيذ قراري، بنقل هذه المقابر من مدخل مدينة الأقصر، على محورين متوازيين؛ أولهما إعداد تقرير شامل عن التجارب السابقة، لتلك الدول الأوروبية، في نقل المقابر، أثناء عمليات إعادة التخطيط العمراني للبلدة، أو المدينة. وثانيهما، إنشاء منطقة مقابر جديدة، في الصحراء، مكونة من ثلاث قطاعات، واحدة للمسلمين، وأخرى للأقباط، والثالثة لنقل رفات جنود الكومنولث، تتكون من 80 مقبرة، استعداداً لاحتمال وجود أكثر من جثمان في مقبرة واحدة، من المقابر الحالية. تم تخطيط منطقة المقابر الجديدة، بأسلوب راق، وإمدادها بالمرافق العامة، وتمهيد الطريق إليها، وتزويدها بمكتب للإدارة، وغرف مناسبة للحراسة.
 
ما أن انهيت تلك المرحلة، حتى بدأت في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة، بمخاطبة سفارة الاتحاد الأوروبي، في القاهرة، برغبة محافظة الأقصر في نقل مقابر الكومنولث إلى منطقة جديدة، وهو ما أحدث ثورة في السفارة، وسارع السيد السفير بالرد باستحالة التنفيذ، وأعقبه بشكوى للخارجية المصرية، بمخالفة ذلك للأعراف والقوانين الدولية. وهنا خاطبت سيادته بعزمي على تنفيذ قراري في غضون شهر، من تاريخه، مرفقاً به تقريري عن التجارب السابقة لدولهم الأوروبية، في نقل المقابر، وتقرير آخر مصور، عن المقابر القديمة، وما تمثله من تشويه لمدخل المدينة، وأسباب ضرورة نقلها إلى منطقة المقابر الجديدة، التي تم تأسيسها، والتي خرجت في صورة، تجبر متخذ القرار على الموافقة..
 
وأمام إصراري على التنفيذ، لما فيه من حق لمصر، وبما لا يخالف القوانين الدولية، طلب سفير الاتحاد الأوروبي زيارة الأقصر، وتفقدنا، سوياً، منطقة المقابر القديمة، ثم توجهنا إلى منطقة المقابر الجديدة، وشاهد بنفسه التجهيزات الممتازة، التي تم الانتهاء منها، تمهيداً للتنفيذ، فطلب مد المهلة المقررة، لاستطلاع رأي الدول أصحاب الجثامين، ولإبلاغ أهالي الضحايا، وعائلاتهم. تمت الموافقة، بالطبع، على زيادة المهلة لشهرين، بعدما أبلغت رئيس الأساقفة الكاثوليك، في الأقصر، بالاستعداد لإجراء المراسم، والطقوس الدينية، أثناء عملية نقل الجثامين، والذي يتطلب الأذن من الفاتيكان.
 
خلال هذه المدة، تبادلنا العشرات من الخطابات للرد على استفسارات الدول الأوروبية الست، ووردت موافقة الفاتيكان على إجراء المراسم الدينية، وفقاً لأحكام المسيحية، بل وزادنا الفاتيكان مفاجأة، بقراره إيفاد مندوب للإشراف على تنفيذ المراسم، والمشاركة فيها. وتوالت موافقات الدول، بعدها، واحدة تلو الأخرى، إلا دولة واحدة، لم تصلنا موافقتها حتى أسبوع من انقضاء المهلة، فأبلغت السيد سفير الاتحاد الأوروبي، بأنني سأنفذ النقل في موعده، أياً كانت الظروف.
 
وفي الموعد المحدد، وصل مندوب الاتحاد الأوروبي، المشرف على عملية النقل، يصاحبه مندوب الفاتيكان، وبدأت إجراءات نقل الجثامين، التي استغرقت أسبوعاً كاملاً، كان يتم فيه فتح كل مقبرة، والتأكد من صاحبها، طبقاً للسجلات الموجودة، قبل نقل الرفات في أكياس خاصة بهذه العملية، يتم بعدها إجراء الطقوس الدينية، بمعرفة مندوب الفاتيكان، والكنيسة الكاثوليكية، بالأقصر. وفي اليوم الأخير لإتمام تلك العملية، تم الاحتفال بنجاحها، في خيمة كبيرة بمنطقة المقابر الجديدة، وقامت بتغطيته وسائل الإعلام الأوروبية، والمصرية، وفيه تحدث الجميع، بل وأشادوا بسلاسة تنفيذ تلك العملية الهامة، واكتسبت الأقصر دعاية إعلامية، في مختلف وسائل الإعلام الغربية، التي أقرت بأن هذا النقل لصالح أكبر مدينة أثرية في العالم.
 
ومع نجاح هذه العملية، فإننا نخرج ببعض الدروس المستفادة، أولها أن التخطيط الشامل هو أولى خطوات النجاح، يليه الإصرار على التنفيذ، مع ضرورة التنفيذ بصورة كاملة والسليم، لإقناع الأطراف الأخرى بقبول التغيير، أما رابعاً، فهو أسلوب العرض، المصحوب بالتقارير المصورة، والأدلة، والتجارب السابقة، بما لا يدع مجال للرفض.
 
وبعد النقل تم إعادة تخطيط المنطقة القديمة، لتصبح حديقة رائعة، والآن عزيزي القارئ، عندما تصل لمدينة الأقصر الجميلة، وتعبر طريق الكباش، أطول وأقدم طريق جنائزي عرفه التاريخ، تستقبلك حديقة رائعة، بها أجمل النباتات، ومزودة بأحدث أساليب الإضاءة، يعلوها يافطة كبيرة، مكتوب عليها بالعربية، والإنجليزية، "مرحباً بك في الأقصر" ... ولقد بذلت جهداً كبيراً في الأيام الأولى لافتتاح هذه الحديقة، لإقناع الأهالي بأنها ليست حديقة عامة، وإنما قطعة فنية لاستقبال ضيوفهم، بصورة تليق بعظمة، وعراقة مدينتهم، خاصة أنني ممن يؤمنون بصدق مقولة “The First Impression is The Last Impression”، أي أن "الانطباع الأول هو الانطباع الأخير".
 
وأخيراً أقتنع أهالي الأقصر بأهمية هذه الحديقة الجديدة، وشعروا بضرورة الحفاظ عليها، فكان منهم من يبلغني، في الصباح، أثناء مروري اليومي لتفقد أحوال المدينة، "يا فندم فيه لمبات محروقة في حديقة ا
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع