الأقباط متحدون - محفوظ عبدالرحمن.. خزّافٌ يبحث عن الزمن المفقود
  • ٢٣:٥٧
  • الأحد , ٢٠ اغسطس ٢٠١٧
English version

محفوظ عبدالرحمن.. خزّافٌ يبحث عن الزمن المفقود

مقالات مختارة | بقلم : فاطمة ناعوت

٣٦: ٠٩ م +02:00 EET

الأحد ٢٠ اغسطس ٢٠١٧

 فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت

 هذا أغسطس يعودُ ببرودة قلبه وقسوته التى أعهدها. شهرٌ يُناصبنى العداءَ منذ طفولتى. عوّدنى هذا الشهرُ على اختطاف نُدَف الدفء من قلبى منذ وعيتُ على هذا العالم. قال ت. اس. إليوت، الشاعرُ البريطانى، فى مطلع قصيدة: «الأرضُ الخراب»، إن إبريل أقسى الشهور. ولو كان يضع نظارتى فوق عينيه، أو يحمل قلبى بين ضلوعه، لقال إن أغسطس هو الأقسى. كلّما حطّ هذا الشهرُ رحالَه على الدنيا ودقّ أوتاد خيمته فى خِصر كلّ عام، أمسكتُ قلبى بيدى لكيلا يطير خفقًا من فرط التطيّر والوجل. تُرى ممَن ستحرمنى هذا العام أيها الشهرُ اللصُّ؟! من يا تُرى سيكون طريدتك لتسرقه من دنياى لأبنى له ركنا أبديًّا فى قلبى الحزين؟ أظلُّ أرمق أحبتى وأحصى من سافروا ومن عادوا ومن شغلتنى الحياةُ عنهم ومن شغلتهم الحياةُ عنى. من سيحين حينُ اختطافه فى ركب هذا القناص؟ ولم يُخلف القناصُ عهده الحزين معى فى أى عام. عامًا بعد عامٍ يفطر قلبى. وعامًا إثر عام يقضم من قلبى قطعة من الفرح. طار أبى للسماء فى أغسطس. وفيه كذلك رحل كثيرٌ من آبائى وأمهاتى الروحيين وأساتذتى ومعلّماتى.

 
قبل أيام فقدت فى هذا الشهر البارد أستاذى د. رفعت السعيد. مَن تعلّمنا منه حبّ فقراء المزارعين والزود عن حقوقهم لأنهم ملحُ الأرض ومصدر حياتنا والأولى بالحياة لأنهم أربابُ الطمى حُماة الأخضر ورثة الطبيعة. واليوم، هذا السبت الحزين، يطير إلى فردوس الله أحدُ أرقى وأجمل من أنجبت مصر الطيبة. رحل أبٌ كريم كان أول من يهنّئنى على كتاب جديد صدر لى، أو جائزة أدبية نُلتها، أو مقال فى أعمدتى الصحفية راق له. كان فى كل مناسبة يرسل لى رسالة قصيرة هى قطعة من الأدب الرفيع تصنع يومى وتملأ قلبى بالفرح أن قامةً شاهقة فى دنيا الإبداع والكتابة بحجم العظيم «محفوظ عبدالرحمن»، قد وجد وقتًا بين مشاغله ليقرأ لى مقالا أو كتابًا أو خبرًا عنى. ما أعذب هذا! وطوال شهور غربتى الطولى فى العام الماضى، لم ينسنى يومًا، فكان بين الحين والحين يرسل كلمة تطمئننى وتُذكّرنى بأن هناك فى وطنى قلوبًا طيبة تدعو لى وتنتظر عودتى إلى أرض أجدادى حيث لا دفء ولا فرح ولا حبّ إلا بين ربوعها. واليوم، يختطف منى أغسطس اللصُّ مَن لا يُعوضه ألفُ أبٍ وألفُ أستاذ. رحل النبيلُ وترك نُبله ميراثًا هائلا من الإبداع والحب نتزوّد به كلّما ضربنا هجيرُ القسوة وفقرُ الفنون من حولنا.
 
الجملةُ النثرية التى يكتبها قلمُ محفوظ عبدالرحمن، لا شىء يشبهها. سواءً كانت فى رواية أو سيناريو مسلسل أو فيلم أو مسرحية، كلماته لها فرادة لا تشبه إلا نفسها. لكن تلك الكلمة، على عذوبتها وشاعريتها، كانت حادة كنصل مشرط مصقول يشقُّ ظهر العوار غائصًا فى عمق كوارث عروبتنا، منتقدًا مفاسدنا عسانا نبرأ من الويل. شغفه بالتاريخ والتجوال بين أروقة الماضى منقّبًا عن اللؤلؤ بين ركام الصخور الماضية، جعله يتمرّد على الزمن، فنذر عمرَه الثرى باحثًا عن اللحظة المفقودة. لهذا برع فى نحت عناوين غريبة لبعض رواياته مثل: «أربعة فصول شتاء»، «اليوم الثامن». كيف لعقل أن يتصور عامًا بأربعة فصول من الشتاء، أو أسبوعًا يمتلك يومًا ثامنًا؟! إنه شغف التنقيب عن المستحيل غير الموجود، مؤمنًا بأن غيرَ الموجود موجودٌ فى مكان أو زمان ما، ينتظر مَن يبحث ومن يُنقّب. ورغم ولعه بكتابة الرواية التاريخية، إلا أنه أبدًا لم يحذُ حذوَ التاريخ حذوَ الحافر، إنما جعل منه متّكئًا يسند إليه ظهره قبل رحلة الطيران إلى اللامكان واللازمان واللاتاريخ. ذاك هو الإبداع الذى يُحلّق بعيدًا عن أسوار الواقع بحثًا عن عالم حالم لم يأت أبدًا. لكنه أتى وتجلّى فى مداد قلم هذا الرجل الاستثنائى. فى كتابته عذوبة ممزوجة بالرفض والتمرّد. لأن «الإنسان» كان دائمًا صوب عينيه وهو يكتب.
 
كرامة الإنسان العربى وحقه فى الوجود الكريم كانا محور بحثه بين ركام التاريخ. كان محفوظ عبدالرحمن خزّافًا بارعًا ينحتُ فى صخور الماضى ليستخرج «التراث» من «الموروث»، كما يستخرج الصائغُ قطعَ الألماس من بين صخور الفحم. كان دائم البحث عن الفارس الذى يأتى فوق صهوة حصانه ليُعزّ قومًا أذلوا أنفسهم. فإن لم يجد ذلك البطل، خلقَه بين صفوف شخوص رواياته ومسرحياته وأفلامه. وكان جميلا بشوشًا نبيلا وهو يفعل كل هذا. لهذا كافأته السماءُ بزوجة جميلة تستحقه ويستحقُها. صديقة الفيلسوف التى سهرنا على صوتها الإذاعى العذب أيامًا وسنواتٍ لنسمع منها حوارها مع ذلك الحكيم الافتراضى. الفنانة الجميلة سميرة عبدالعزيز. طوباكِ وطوبى لمن اخترتِه رفيقًا للدرب الشاقّ. محفوظ عبدالرحمن، قيمة إبداعية هائلة خسرته مصرُ بالأمس بعدما دوّنت اسمَه فى سجّل الشرف. يا أبى الجميل الذى لم أحبّ أحدًا كما أحببتك، ولم يُكرمنى أحدٌ كما أكرمتنى، نمْ ملء جفنيك وانعم بملكوت الله.
نقلا عن المصرى اليوم
المقال الموضوع يعبر فقط عن رأي صاحبه وليس بالضرورة عن رأي أو اتجاه الموقع