كتب : مدحت بشاي
medhatbeshay9@gmail.com
منذ عرفنا الصحافة كمهنة ، يقوم من ينتسب إليها بجمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور، سواء أن كانت هذه الأخبار متعلقة بأحداث سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو رياضية أو اجتماعية أوغيرها. وذلك بغرض تكوين رأي عام على وعي بالواقع المحيط عبر مراعاة وجود حالة من الشفافية تضمن توفير رقابة شعبية فعالة على الآداء السلطوي والإداري. إن الصحافة بالمعنى السابق حِرَفِيّة تسعى إلى الحياد، ولكنها في ذات الوقت تبقى متحيزة، لأن الأمر لا يقتصر على مجرد تقديم المعلومات بل يتعداه إلى تداول الأراء بشأنها في صورة مقالات وأعمدة وتحقيقات وتحليلات إخبارية، والتحيز هنا ليس بالمعنى السلبي الذي يشتمل على طمس وإقصاء وتزييف الحقائق، ولكن بالمعنى الإيجابي الذي يحمل دلالات كفاحية، لا ترقى أمة ولا وطن إلا من خلالها، فللصحافة رسالة تنويرية عليها أن تؤديها، نهوضًا بالمجتمع، وتحملًا لقضاياه وهمومه. فهي لسان حاله وممثلة وجدانه، وهي مرآة مجتمعها تمامًا كما الفن.
 
تلك بإيجاز ، كانت رؤية الكاتب الكبير " سلامة موسى " لواقع مهنة الصحافة في عصره التي ضمنها كتابه الهام والطريف " الصحافة حرفة ورسالة  " 
يذكر " موسى " في كتابه أن المتأمل لأوضاع الصحافة عام 1930 قد  يراها باتت من الفنون التي لا ينجح فيها سوى غير المصريين ، وقد ينتهي من تأمل الواقع — في انتشار الصحف غير المصرية، وانخذال الصحف المصرية، وغنى الصحفيين الأجانب وامتلاكهم الدور الفخمة والضياع الخصبة، وفقر الصحفيين المصريين، وتشردهم في الشوارع لا يملكون كوخًا ولا قيراطًا — أن الكاتب الأجنبي في مصر أذكى عقلًا، وأبعد نظرًا، وأدق تحريرًا للصحف، مجلات كانت أو جرائد، من الكاتب المصري. 
 
ولكن " سلامة " يتراجع عن تأمله مؤكدًا " إن هذا الاستنتاج سرعان ما ينقلب إلى النقيض عندما كان يتعمق القارئ في تأمله ويربط النتائج بأسبابها؛ فالحقيقة أن الظروف السياسية كانت مدة الاحتلال الإنجليزي (أي سنة 1920) تعمل لكبت الروح الوطنية بمساعدة الجرائد الموالية للإنجليز، ومعاكسة تلك التي تُنَاوِئُهُمْ، فنحن نرى عقب الثورة العرابية أن الحكومة تدفع تعويضًا ضخمًا لأصحاب جريدة غير مصرية، لأن الثائرين كسروا المطبعة لانضمام هذه الجريدة إلى الخديو، وكان هذا فاتحة اليسر والخير لتلك الجريدة، ثم نجد الإنجليزية بعد ذلك يسندون بنفوذهم جريدة المقطم التي أصبح أصحابها بهذا السند القوى من أغنياء القطر المعدودين؛ وعلى هذا كان يرى القارئ في سنة 1930 أن تفوق الصحف غير الوطنية لا يُعْزَى إلا لأسباب لا يرضاها مصري لنفسه. 
ثم جاءت الحركة الوطنية سنة 1919، وحدثت الانشقاقات في الوفد بعد ذلك وصار لكل حزب جرائده، والصحفيون غير الوطنيين في مصر يعيشون كالملوك " فوق الأحزاب " فهم يتمصرون ولكن تمصرهم لا يحملهم على الغلو في الوطنية؛ ولذلك فهم يستفيدون من الوطنية المصرية لأنهم يَتَحَامَوْنَ ما فيها من غلو، هذا الغلو الذي جعل الأستاذ عبد القادر حمزة يصدر منذ سنة 1920 إلى سنة 1930 " 14" جريدة تقفل كلها، بعضها إقفالًا نهائيًّا وبعضها لبضعة أشهر. 
 
و يعقد " سلامة موسى مقارنة  " فلنفرض أننا قابلنا بين صحفي غير وطني وبين الصحفي المصري عبد القادر حمزة، فهل من الإنصاف أن نُقَيِّمَ هذه المقابلة على النتيجة الحاضرة، وهي موت " البلاغ " وإفلاس صاحبه، بينما كانت الصحف المحايدة حية تملأ الشوارع، وأصحابها قد تكدست خزائنهم بالمال؟ ..نظن أن ذلك ليس من الإنصاف، والذي كان يقول بعجز المصري عن تحرير الصحف وإدارتها لا يمكنه أن يضرب المثل بالبلاغ والصحف المحايدة التي كانت تنافسها في ذلك الوقت، فإنه يفتح أعيننا للطرق التي كان يعيش بها الصحفي الأجنبي من الصحافة ، وهي طرق لا يرضاها مصري... " ..
 
و عبر صفحات فصل طريف من الكتاب يحدثنا الكاتب عن " الفن الكاريكاتوري " في تلك الفترة ، وأهميته وكيف كانت البدايات في بلاد الغرب .. 
يقول " سلامة " أنه مما يذكر عن جريدة " نيويورك تيمس " الأمريكية أن مديرها وجد في انتشارها ركودًا أو تخلفًا عن سائر الجرائد التي تباريها في السوق، فشرع يتصفحها كي يهتدي إلى علة هذا الركود، وبعد دارسة للصفحات والأبواب قصد إلى رئيس التحرير واقترح عليه أن يبحث عن محرر قد اعتاد الشراب يكتب كل يوم حديثًا للقراء يتألف من خطرته " السكرانة ".فلما سأله رئيس التحرير عمَّا بعثه على هذا الاقتراح أجابه بأن علَّة الركود في بيع الجريدة هي أنها مُسرفة في الجد ليس فيها كلمة مزاح أو نكتة مضحكة، وأن القراء يسأمون الجد ويحتاجون إلى شيء من الهزل من وقت لآخر.وعلى هذا الأساس اتجهت الصحف الكبرى إلى أن تخصص جزءًا من أعمدتها للكتَّاب المرحين، ولا تكاد تخلو جريدة من مثل هؤلاء الكتاب الذين يرفهون عن القراء بأحاديثهم المرطبة... " ..
 
و في تعريف " موسى " للصورة الكاريكاتورية يشير إلى أنها هي ترفيه أنيق، يحتاج إلى إعمال الفكرة واستخلاص النكتة في صورة تنطق أحيانًا عن معناها، بحيث لا تحتاج إلى كتابة شيء يفسرها ويوضحها أو هي تحتاج إلى أقل الكلمات.
 
وقد ظهرت الصورة الكاريكاتورية عندنا منذ حوالي ١٩٢٠ واختصت بها مجلة الكشكول التي كان يصدرها المرحوم سليمان فوزي، وكان يهدف منها في كثير من الأحوال إلى غير ما خصصت له، فكان ينتقل بها من الترويح إلى التشهير بالوفديين، ولكنه مع ذلك فتح الباب وشق الطريق. ثم جاء " محمد التابعي " فجعل منها دراسة في مجلاته التي كان يصدرها مثل روز اليوسف وآخر ساعة، وشاعت بعد ذلك في بعض مجلاتنا، ولكن جرائدنا اليومية لم تأخذ بها إلا منذ قريب، وهي مع ذلك لم تعم جرائدنا حتى الآن.
 
والصورة الكاريكاتورية خاصة وعامة، فهي خاصة حين تتناول إحدى الشخصيات فتبرز فيها سمتها أو موقفها في شأن عام، وهي عامة حين تجعل من معناها نكتة لها قيمتها الاجتماعية، وهي بهذين النوعين تعالج السياسة كما تعالج الاجتماع، وتوضح الأخبار والاتجاهات.
لأنها تضحكه، ولكن لماذا يضحك؟
 
إن للضحك تفسيرات عديدة ربما كان أقربها إلى فهمنا أنه يجعل من الشخص أو الأشخاص آلات قد غاب عنها التعقل، فهي تسلك سلوكًا آليًّا، وهذا هو تفسير «برجسون»، ومع أني أجد فيه شيئًا من الصدق فإني لا أجد فيه كل الصدق.