إعداد وتقديم - باسنت موسي
قال كمال زاخر، الكاتب والمفكر، إن كل العالم القديم كان تحت الاحتلال الروماني، وكانت اليونانية هي اللغة المعتمدة فى الإمبراطورية الرومانية بجوار اللغات الإقليمية أو المحلية، بمعني أن فى مصر كانت اللغة القبطية سائدة فى التعامل الشعبي بين الناس وبعضها، لكن اللغة المعتمدة كاللغة ثقافة وكتابة وتفكير كانت اللغة اليونانية.
 
وأضاف: استمر مع كل العالم ومع مصر حتى أواخر القرن الخامس عقب انعقاد مجمع خلقيدونية، ومدينة خلقيدونية من المدن الكبيرة فى الامبراطورية الرومانية بآسيا الصغري، وفى هذا المجمع -مجمع يضم أساقفة من كل انحاء العالم- يجتمعون لمناقشة قضية مثارة فى هذا التوقيت أو بلغة الكنيسة تسمي بدعة، ويتناقشون هل تتفق مع الإيمان المسيحي أو لا تتفق وكيف نرد عليها، وينتهي الأمر إما أن يرجع عن ما ينادي به أو أن الكنيسة تأخذ قرار بقطعه من شركة المؤمنين.
 
وأوضح "زاخر" خلال برنامج "مع كمال زاخر" المذاع على موقع الأقباط متحدون وتقدمه الكاتب الصحفية باسنت موسي، فى هذا المجمع حدث خلاف شديد جدا ومعه حدث الانقسام الكبير فى الكنيسة إلى مجموعتان، مجموعة تؤيد ما انتهي إليه مجمع خلقيدونية ومجموعة ترفضه، ونحن من ضمن المجموعة الصغيرة التى رفض توصيات وقوانين هذا المجمع، وبالتالي سميت المجموعة الأولي بالكنائس الخلقيدونية، والمجموعة الثانية كنائس لاخلقيدونية.
 
وتابع: البطريرك المصري فى هذا التوقيت اخذ موقف متشدد وقرر مقاطعة اللغة اليونانية كنوع من أنواع ردود الأفعال الحادة والعنيفة، وبدأت أن تحل اللغة القبطية فى القراءة والكتابة والتأليف محل اللغة اليونانية، انقطعت اللغة اليونانية عن اللسان المسيحي المصري وحلت محلها اللغة القبطية فى التعامل بين الناس وبعضها وفى المعاملات الرسمية أيضا.
 
فى القرن السابع غز العرب مصر وتكرر هذا الأمر مرة أخري، وفى القرن العاشر استقرت الخلافة أو الدولة الإسلامية وأصبح لها ملامح واقتصاد قوي له مصادر مختلفة، وكانت الجزية تمثل واحدة من الموارد السيادية اذا جاز التعبير.
 
وأكد كمال زاخر أن مصر لم تحكم من حكام من الجزيرة العربية فقط، ولكن جاء الحكم الأموي والعباسي إلى أن وصلنا للأتراك، وفى القرن العاشر كان الحاكم أو منظومة الغرباء عن المصريين بأن الاعتماد على الجزية أمر غير مؤثر، وفرضوا منع الحديث بالقبطية وبعض المصادر تقول أن صدر أمر من الخليفة أن صدر أمر بقطع لسان كل من يتكلم بالقبطية.
 
ولان الأقباط كانوا هم القاعدة الأساسية فى الموظفين ويفهمون الحسابات والضرائب وقياس الأراضي الزراعية وكلها مصادر لا تستطيع الدولة الاستغناء عنها، وفى نفس الوقت هم محتاجين لهذا العمل فاضطروا لتعليم اللغة العربية، ومع التشدد من الحكام جيل وراء جيل اختفت اللغة القبطية من التعامل بين الناس وحل محلها اللغة العربية.
 
فى القرن العاشر البابا غبريال بن تريك رأي أن الأمور تصعب على الأجيال الجديدة المسيحية والقبطية فى الصلاة، الصلاة بالقبطية والأجيال الجديدة تتحدث اللغة العربية، فأخذ قرار بتعريب الصلوات القبطية، وحتى فترة قريبة من سبيعينات القرن العشرين اتذكر أن الرسائل البولس والكاثوليكون والابركسيس والمزمور والانجيل شماس يقرا بالقبطية وأخر يقرا بالعربية لنفس الرسالة.
 
نحن مررنا لغويا أو بالتراث المسيحي المصري بثلاث مراحل: اليوناني، والقبطي، والعربي.
 
وكل ما نخرج من لغة للغة يحدث تراجع بين اللغة القديمة والحديثة، المشكلة أن الكنيسة إلى نصف القرن التاسع عشر منقطعة الصلة بالتراث القبطي والتراث اليوناني فى التعاليم القبطية والتراثية.
 
ثم بدء تطلع مراكز من النخب القبطية تعيد اعتبار لدراسة اللغة القبطية واليونانية وهكذا وتترجم، والقضية أصبح لدينا تراث مكتوب باليوناني وتراث بالقبطي وتراث بالعربي.
 
ويبدوا أن البعض تصور أن الدعوة لتعريب القبطي واليوناني التراث، هو نوع من أنواع ذوبان التراث القبطي واليوناني فى الثقافة العربية، وهذا غير صحيح؛ لان التراث لا يندثر، والتراث لا يذوب.