مدحت بشاي
فى مثل هذه الأيام منذ 96 سنة ، عام 1923 - وفق الأوراق الوفدية - عاد سعد زغلول من المنفى واستقبلته الجماهير بحفاوة كبيرة لا تقل عن حفاوتها به فى عام 1921، وبُهت الأحرار الدستوريون لهذه الحفاوة التى أفقدتهم الأمل فى النجاح فى الانتخابات، وكانوا من قبل واثقين من نجاحهم فيها، بحكم أنهم واضعو الدستور، وبحكم أنهم الحاصلون على تصريح 28 فبراير سنة 1922، وهو التصريح الذى نقل مصر إلى هذه الحالة الجديدة.

ثم ظهرت نتائج الانتخابات، فإذا الوفد يفوز بمائة وخمسة وتسعين مقعداً فى البرلمان تاركاً للحزب الوطنى وحزب الأحرار الدستوريين تسعة عشر مقعداً فقط.

وبقى السؤال: هل يقبل سعد الوزارة أو يتركها لأحد من أنصاره ، ويكتفى هو بزعامة الحركة الوطنية ؟.. سؤال صعب فكر فيه الزعيم وأصحابه ، فبالرغم من أن الأوضاع الدستورية تجعل الحكم حقاً من حقوق الأغلبية، وتحتم أن يكون رئيس الوزراء هو رئيس هذه الأغلبية " فإن هناك حالة تعترض هذه الأوضاع وهى وجود الاحتلال البريطانى، وكيف يكون مسلك الزعامة فى الحكم مع بقاء هذا الاحتلال؟ " وتقول"  الأوراق الوفدية " أيضاً: لقد رأى أكثر العقلاء فى الأمة أن الأمثل بزعيم الحركة الوطنية فى هذه الأمة ، أن يبتعد عن الوزارة حتى لا يصطدم بالاحتلال، ويصبح هدفاً لدسائسه ومؤامراته، ويكفى أن نذكر أن سعداً هو الذى هاجم تصريح 28 فبراير، فتأليف وزارة فى ظل هذا التصريح ربما يكون نوعاً من الاعتراف به كما قال بذلك الأمير " عمر طوسون ".

غير أن سعداً قبل بعد تردد طويل أن يؤلف الوزارة، وصرح فى جوابه إلى الملك حين طلب منه تأليف الوزارة بأن قبوله إياها لا يُعتبر اعترافاً بأية حالة أو حق استنكره الوفد، يريد بذلك عدم الاعتراف بالتحفظات التى نص عليها تصريح 28 فبراير.

والحق لقد كان سعد مثالاً للحاكم الدستورى بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، كان لا يقبل تدخلاً فى وزارته من جانب القصر ولا من جانب المندوب السامى البريطانى، وقد اعترف له خصومه بهذه الميزة التى لم يستحق أن يوصف بها أحد سواه فى تلك الفترة التى نؤرخ لها الآن.
Medhatbe9@gmail.com