بقلم / باسنت موسي
بالماضي القريب كنت أخاف بشكل مرضي من كلمة "سرطان" وكان من حولي لا يُطلقون عليه سوى لفظه" المرض الوحش" إلى أن كبرت وبدأت أتعايش مع مرضي للسرطان من حولي. كما إنني من خلال عملي التقيت مع محاربين للسرطان أشداء في حب الحياة وبالتجربة أدركت أن مريض السرطان أقوى من مريض الاكتئاب. فالأول يحارب من أجل الحياة والثاني مات عن الحياة رغم كونه حي بالأوراق الرسمية.

منذ أيام فقدت سيدة كانت حياتها مثال بنظري للإرادة في تخطي الصعاب المختلفة، فقدتها لأن السرطان أنتصر على إراداتها بعد حرب طويلة امتدت لسنوات، وكان أمامي طريقين للتعامل مع الأمر إما الحزن والغرق في بئر اليأس، أو تذكر قوتها بالحياة وقوتها في مواجهة الوحش السرطاني، واخترت الحل الثاني وهو الحل الأصعب فالاستسلام للحزن أيسر من مواجهة الحياة بتحدياتها. ومن خلال تجربة تلك السيدة مع السرطان وقربي منها بسنواتها الأخيرة أدركت جملة من الدروس الحياتية الهامة.

الحياة دون تحديات وصعاب ليست حياة بل هي موت بورقة حياة مزيفة، فلولا الألم لما أدركنا الفرح ولولا الفقد لما قدرنا ما نملكه من نعم كثيرة.
المرض رغم كل محاولاتنا تفاديه إلا أنه قدر في جانب كبير منه، وتعاملنا معه بخوف متى كان خطيرًا كالسرطان يعجل بموتنا. فالخوف دومًا ما يُعجل بالنهاية لكل ما هو حي.

نحتاج دومًا لأن يكون هناك أخر بحياتنا نمنحه العطاء دون انتظار مقابل، ذلك الفعل يؤكد إنسانيتنا ويزرع بداخلنا مساحات من الرضا وحب الحياة والشكر لله على ما نمتلكه وحتى ما فقدناه. كما أن ذلك الدور يحمي المجتمع من أحقاد من يملكون تجاه من لا يملكون أي شيء يُذكر.

الموت ليس نهاية وجود لنا ككائنات بشرية، بل بالموت نعبر لحياة أخري ووعي أخر نكون فيه دون حزن أو وجع أو مرض، ونستمتع بنتائج ما فعلناه على الأرض من أفعال، لهذا رحلة الأرض هي التمهيد لرحلة أخري نكون فيها أكثر وعيًا وأعلى معرفة.

السرطان ليس عقاب من الله للإنسان، بل هو برأيي جرس يرن بحياة البعض بصوت عالي مذكرًا بوجود حياة أخري ننساها تحت وطأة الغرق في تفاصيل ما نعيشه.

المنح مغبوط أكثر من الأخذ وكلما أعطينا كلما زاد شعور الخير والرضا بداخلنا كلما منحنا من حولنا ظهرت لنا الحياة ببساطتها وصغرها مهما إن طالت مدة بقاءنا بها.

الإيمان بالله يحمينا من خوف الإصابة بالسرطان ومن وجع وجوده، كما أن الإيمان بالله هو من يمنح قلوبنا السلام والتعزية المناسبة عندما يعبر أحبائنا بجسر الموت للحياة الأخرى.
     
" شكة"
** لو ملكنا كل شيء لانتحرنا مللاً.
** الشهوة جزء من الحب وليست كل أجزاءه.