زهير دعيم 
الحياة أذواق وألوان وخيارات ، فقد تستملح شيئًا يمقته غيرك ، وقد تمقت شيئا يستعذبه غيرك ، وما من ضير ، فهذا أمر صحيّ ، إن لم يتجاوز حدود المعقول والمقبول والمتَّبع .
 
والصباح وكلّ صباح لا يكون صباحًا بالنسبة لي إن لم تغرّد فيروز بصوتها المخمليّ ، فيرقص فيَّ كل حسٍّ وشبه حسّ ، ويتجلّى الصُّبح عندها في سربال ربانيّ ، يُحاكي الجمال الأسمى بأحلى صوره .
 
إن فيروز لي وللكثيرين أمثالي قهوة الصباح على شُرفة الأزل ، بل قصيدة عِشْقٍ غنّتها الأرض للسماء ، وهمسة الملائكة على فم الفجر .
 
فيروز يا ذات الصوت الملائكي الذي ينساب رقيقًا ، دافئًا ، هامسًا ، مُعطّرًا ، مقدّسًا ، ما أروعَكِ !
 
يا من يغني القدس والقيامة والشوارع القديمة والذكريات والقمر . يا من يحمل في ثناياه صلاة الخاشع وعطر الياسمين .
 
أنتِ أنتِ رمز الشرق الحزين ، ولون الفرح الزاهي ، وعبق المجد الغافي على ركبتيّ الزّمان . أنتِ في محرابكِ ناسكةٌ تشدو المزامير بوهج الإيمان . أنتِ كما العمالقة الآخرين في دنيا الطرب كعبد الوهاب والصافي وأم كلثوم والروميّ ، نبيذ مُعتّق يحلو لي مع الزمن ويطيب ، بل تزيده الأيام جمالا وتأثيرًا في الحسِّ الشرقيّ فيروح أحدنا يصرخ من أعماق قلبه ؛ الله .. الله ..! هؤلاء العمالقة كصنّين والهرم وأبي الهول يصمدون أمام صرعات الحضارة بموسيقاها الصاخبة ورقصاتها اللاهبة المتعرّية ، ومعانيها الفارغة من الرسالة والمضمون .
 
فإنك يا صاحبي اليوم ، ترى الفضائيات ملأى بأشباه المطربات يتقزّعن على أنغام مقطوعة .. موصولة ، وكلمات أخذت من قاموس الطفولة المراهقة والغنج الأجوف .
 
إنك اليوم تسمعُ بعينيك !!
وترى ولا تسمع شيئًا !!
وتسمع ولا تفهم شيئًا !!
وكأن في آذاننا وقرٌ !!
 
سبحان الله ! أين ذوقنا الشرقي يموت حبًا في نقرات العود وفي ترجيعات القانون التي تسيل من بين أصابع العازف ؟
أين ذوقنا الشرقي من الطرب الأصيل يملأ القلب والعين والأذن والوجدان ؟!
 
قد تقولون عنّي : إنك رُجوعي لا تواكب الزمن بل وتعادي الحضارة .
لا وربّك فإني عكس ذلك أبحث دومًا عن الجديد المُتلفِّع بالجّدية والأصالة والمَشوب بالعرق والسَّهَر ، والمدروس أبدًا على ضوء الواقع .
 
ففي شرقنا اليوم ، يبزغ فجر كوكبة من النجوم الصغار في دنيا الفن والطرب ، يشقّون طريقهم نحو ذُرى المجد بين آلاف المدّعين والمدّعيات .
 
فهيّا نفصل بين القمح والزؤان ، وهيا يعرف كل منا حدوده فيُخلّي طريق المجد لمن يستأهل ، وهيّا لا نضع العراقيل أمام النسور المُحلّقة ، فالقمة لا تتسع لكثيرين .
 
وسأبقى أقول فيروز ، وأطرب على همسها حتى لو امتلأت الدنيا والآخرة بالكليبات ، وستبقى هذه الفيروزة صدّاحة العرب على أغصان الياسمين ، حتى ولو رحل الزمان ، وجاءت القيامة !!
 
أطال الله في عمرك سيدتي ، وشنفت آذاننا أبدا بهمس أغنياتك