أنشودة لمصر

بقلم / هدى حليم
بعد حوالي تسعين دقيقة من بداية القداس في الكنيسة القبطيه الأرثوذكسية ووفقاً للقداس الباسيلى، يصلي الكاهن هذه الطلبة القصيرة:
"تفضل يا رب أهوية السماء وثمارات الأرض ومياه الأنهار والأمطار والبذور والعشب ونبات الحقل هذه السنة، باركها".
ثم يجاوبه الشماس:
"صلوا من أجل أهوية السماء وثمارات الأرض ومياه الأنهار والأمطار والبذور والعشب ونبات الحقل هذه السنة، لكي يباركها المسيح إلهنا ويكملها بسلام بغير أذى، ويغفر لنا خطاينا."
يمكن للمرء أن يتصور الأقباط في سحب الوقت واقفين في كنائسهم يستمعون إلى الكهنة والشمامسة يصلون هذه الكلمات المحددة وفي عيون أذهانهم أراضيهم وحقولهم وبيوتهم ومحاصيلهم، وسبل كسب العيش، بينما في قلوبهم صدى هذه الطلبة، أن صلة المصريين ببلادهم عميقة ومؤكده.

 وأعتقد أن قداسنا هو الخدمة الأكثر جمالاً وتفصيلاً  في تقديم شكر للرب، وتذكر عطاياه التي تملأ الحياة.
ومن كتاب Christian Cannuyer المعنون" أقباط مصر- الذين هم مسيحوا وادي النيل" أود أن أقتبس الآتي: اليوم، يكمن القداس في صميم الحياة القبطية، متأثراً بالتقاليد الرهبانية، وهو مدته طويلة( تستمر الخدمة إلى ما يقرب من ثلاث ساعات على الأقل) ويشترك في صلاة القداس عدد كبير من الشعب المهتم، أن الحضور والمشاركة في القداس قد فعلت الكثير لتعزيز أواصر الوحدة بين المؤمنين.
ويقوم الشمامسة بحض الأقباط دون توقف للمشاركة الكاملة في شعائر تقديم الحمل المقدس وإلى التعبير عن الايمان بقوة.

وعدة  قراءات( باللغة العربية وليست القبطية) تعطي جموع الشعب تعاليم دينية منطوقة فى غاية الجودة، بطقوس تتجاوب معها النفوس بتلقائية، ويستخدم البخور بوفرة( كان يطلق عليه المصريون القدماء اسم sontjer" الذي يجعله مقدس").

" أناشيد مميزة ذات إيقاعات متكررة، وربما ورثت عن الترانيم الفرعونية الجذابة، ولا تزال ترنم أحياناً بواسطة المرنمين المكفوفين مع الدفوف النحاسية.
وأكدت على الدوام عظمة الأسرار المسيحية في النصوص التي تمزج اللغات القبطية والعربية واليونانية، كل ذلك يساهم في جعل العبادة القبطية معرفة روحية متميزة، العابد له علاقة حميمة مع القدوس الذي دائماً ما شعر المصريين بضروريتة للحياة.

وفي القداس، ولاسيما في تقديم الحمل المقدس، أو صلاة التبرك، تستشعر بقوة وجود الفائق الوصف، وهذا الإحساس لا ينفصل عن الايمان الحقيقي بالله الذى يغذي روح القبطي المؤمن.
والواقع أنه في الكثير من الأوقات أن أحد المصليين يؤكد أنه أو أنهم يمكنهم رؤية الملائكة تحتفل مع الكاهن فى الهيكل".

وفي هذا الجو السماوي المقدس، يبدأ القبطي بالتوسل للخالق لحماية وصيانة بلده المحبوبة مصر.
فهو وهى أهل يلمسون بموده وحب كل سمة من وجه طفلهم، وأنهم يريدوا التأكد من أنه في مأمن من اي ضرر ممكن أو أي حادث مؤسف، أنهم يريدون التأكد على مستقبل أبنائهم.
 ثم تستمر الصلاة إلى: " لكي يباركها المسيح إلهنا ويكملها بسلام بغير أذى، ويغفر لنا خطاينا".
وحتى أنه يطلب من عند الرب أن تكون النتائج كاملة، مثلنا جميعاً نحن الآباء والأمهات نريد الأفضل لأطفالنا، ولكن ليس تحت أي ظرف من الظروف، ولكن" في سلام دون أذى".
هنا تكمن عظمة روح المصري القبطي، وهذه هي شروطه، إخلاصه المتناهي لأرضه وبلده" السلام دون إلحاق أى ضرر".

لن يرغب تحت أي ظرف بأن تتعرض أرضه الحبيبة لأي ضرر أنَّه يريد السلام وعدم الأضرار، وهذه هي شروطه التى يعرضها على ربه، وهي حسنة ومقبولة لدى رب كل الخير.
يجاوب الشعب:

" كيريا ليسون، كيريا ليسون، كيريا ليسون-  يا رب ارحم، يا رب ارحم، يا رب ارحم".

ثم يطلب الكاهن من الله:

"أصعدها كمقدارها كنعمتك فرح وجه الأرض ليرو حرثها ولتكثر أثمارها أعدها للزرع والحصاد دبر حياتنا كما يليق".

نتذكر فيضان النيل السنوي الذي يجلب كل من الطمي الثرى من وسط أفريقيا، ويغطي فيضان النهر العظيم ضفافه ويغطي أيضاً الحقول بهدية الحياة المعطاة والتي جعلت من مصر أرض خصبة. ويسأل القبطي من نعمة الله لتغطي وجه مصر الجميل، على الرغم من أنه لا يزال يطلب من العلي القدير أن يدبر حياته وفقا لخطة الله.
" بارك إكليل السنة بصلاحك من أجل فقراء شعبك ومن أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف ومن أجلنا كلنا نحن الذين نرجوك ونطلب اسمك القدوس لأن أعين الكل تترجاك وأنت الذي تعطيهم طعامهم في حين حسن أصنع معنا حسب صلاحك يا معطياً طعاماً لكل جسد إملأ قلوبنا فرحاً ونعيماً لكي ونحن إذ يكن لنا كفافنا في كل شيء كل حين نزداد في كل عمل صالح".

 نطلب من اللا محدود بأن يبارك الأوقات وذلك بسبب محدوديتنا ولكننا نسعى دائماً بطلب اسمه المقدس حتى أننا" نزداد في كل عمل صالح".

كل هذا يبدو منطقي عندما ننظر إلى كتاب" المسيحيين مقابل المسلمين فى مصر الحديثة" للكاتبة  س. س. حسان والتى تقول فيه: في سياق الزمن( التاريخ القبطي) أكتسب مكانة أسطورية.

يمتلك الأقباط حصة متميزة من التاريخ القديم: وتوجد بعض المناسبات مثل الاضطهادات التي عانى منها المسيحيين الأوليين، وأيضاً بعض الشخصيات المحلية مثل تحول قاطع الطريق إلى القديس الشهير، الأنبا موسى الأسود، أو الطفل المصري البطل أبانوب، الذي استشهد على يد الجنود الرومان في سن الثانية عشر، وبعض الأماكن مثل ضفاف النيل في بيبا في منطقة الدلتا، والجبال المقدسة في درنكه، بالقرب من أسيوط في صعيد مصر، والتي ترتبط بما يعتقد أنه من أماكن توقف رحلة العائلة المقدسة على الحمار، في جميع أنحاء مصر، وكل هذا يحمل معنى لكل طفل يولد في أسرة قبطية.

هذا الثقافة الوفيرة، والتي يحملها الأقباط  إلى مرحلة البلوغ وتستمر معهم إلى الموت، تفصلهم عن المسلمين الذين لم يشتركوا فيها ولم يعرفوا بوجودها وحتى لو علموا لم يهتموا بمعرفة سبب الغزارة العاطفية لاخوانهم المواطنين المسيحيين".

يجتمع كل هذا في اطار كلمة واحدة" الوطنية" الكلمة التي تمزقت في الوقت الراهن على يد العقيدة الدينية المتطرفة.
محبة مصر، وهي حدود الأم التي غزاها تلاميذ الكراهية والعنف، قرون من الحضارة والثقافة قد حل محلها الغضب والرفض.

اللياقة والأخلاق، السمة المميزة للطابع المصري تم التلاعب بها من قبل التعاليم الفاسدة، والحاقدين نصبوا أنفسهم مرشدين للأرواح.

والواقع أن الصورة قاتمة ولكن دعونا نقول مع النبي" امْضِ وَقُلْ لِهَذَا الشَّعْبِ: اسْمَعُوا سَمْعاً وَلَكِنْ لاَ تَفْهَمُوا. انْظُرُوا نَظَراً وَ لَكِنْ لاَ تُدْرِكُوا. قَسِّ قَلْبَ هَذَا الشَّعْبِ، وَثَقِّلْ أُذْنَيْهِ وَأَغْمِضْ عَيْنَيْهِ لِئَلاَّ يَرَى بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذْنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ، فَيَرْجِعَ عَنْ غَيِّهِ وَيَبْرَأَ" أشعياء 6(9-10)



عنوان المقالة «أنشودة لمصر»
«مقالات مختارة»

«الأقباط متحدون»