|
معا.. مسيحيون ومسلمون
بقلم: فريدة النقاش
أسوأ ما يمكن أن يفعله المستنيرون المسيحيون في مصر والعالم الاسلامي عامة أن ينجرفوا إلي مقاومة التطرف باسم الاسلام بتبرير التطرف باسم المسيحية والتماس الأعذار للتعصب المضاد والقراءة الحرفية للنصوص والقول بإن الأقلية تدافع عن نفسها انطلاقا من دينها، تماما كما يفعل الآخرون انطلاقا من دينهم. فالمعركة مع التطرف اسلاميا كان أو رد فعل مسيحي لابد أن تنتقل إلي مستوي آخر.
والمعرفة سلاح رئيسي بل وبتار في مواجهة التكفير والتعصب الأعمي ضد المسيحيين والبهائيين واللادينيين وكل أصحاب الديانات المخالفة، وهو تعصب يلحق ضررا بالغا لقضية الشعب الفلسطيني لأنه يغري بتفسير الصراع ضد الصهيونية دينيا بينما هو صراع ضد العنصرية والاستيطان.
ولم يحدث أبداً أن خابت نتائج التحليل الاجتماعي - الاقتصادي بجذوره الحضارية والثقافية في معالجة ظاهرة ما، لأن منهج هذا التحليل هو منهج علمي موضوعي.
ويعود تاريخ نوبة التطرف الديني الحديث في مصر والتي طال أمدها وأصابت المجتمع المصري المتجانس تاريخيا بجروح وآلام بلا حصر يعود إلي اللحظة التاريخية التي اتخذ فيها الرئيس الراحل «أنور السادات » قراره بالانقلاب علي السياسات الناصرية، سياسات التحرر الوطني والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية وتوحيد العرب لمواجهة المشروع الصهيوني التوسعي وتحرير فلسطين بعد أن قبل العرب بالقرار 242 اثر هزيمة يونيه 1967 ولم يجد «السادات» شيئاً أفضل من الغطاء الديني لتبرير انقلابه علي هذا النهج الناصري المتكامل رغم كل ما شابه ـ أي النهج الناصري ـ من أخطاء فادحة.
في خضم الصراع ضد الشيوعيين والناصريين في الجامعات المصرية في مطلع سبعينيات القرن الماضي قام نظام «السادات» بتسليح الجماعات الدينية المتطرفة لكي تصفي اليسار الطلابي الذي كان يدعو إلي الديمقراطية وتحرير الأرض عبر المقاومة وثقافتها وأصبح اسم الرئيس الذي كان معروفاً للمصريين كافة باسم «أنور السادات» حتي من قبل الثورة محمد أنور السادات وأضاف إلي «محمد» وصف الرئيس المؤمن في اشارة خبيثة إلي أن الرئيس الذي سبقه لم يكن مؤمنا لأنه دعا إلي الاشتراكية لأن الرئيس «المؤمن» زاوج في خطابه الدعائي بين اليسار والالحاد بل انه أصدر بعد ذلك قرارات تقضي بأن يحقق المدعي الاشتراكي مع من سماهم «غير المؤمنين» لاخراجهم من وظائفهم العليا في الدولة وهو اجراء طال عشرات من اليساريين.
وخلاصة الأمر أنه بعد انقلابه في 13 مايو 1971 علي زملاء «عبدالناصر» ومعاونيه وزجهم في السجون طبقا لأحكام محكمة استثنائية أطلق حالة من الهوس الديني في البلاد سياسيا وثقافيا وإعلاميا، ومنذ ذلك التاريخ أخذت الاشتباكات بين مسلمين ومسيحيين تتجدد بين الحين والآخر في مدن واحياء مختلفة. بدءا من وقائع منطقة الخانكة عام 1972. وأخذ الشيوخ الجدد يدافعون باسم الدين عن سياسات «السادات» الجديدة وتوجهاته سواء الاجتماعية أو في العلاقات الخارجية حتي قال أبرزهم وهو الشيخ «متولي الشعراوي» الذي أصبح نجما صحفياً وتليفزيونياً لا يباري في ذلك العصر والعصر الذي تلاه قال انه صلي ركعتين لله حين وقعت هزيمة يونيه 1967 لأنها هزيمة لجمال عبدالناصر الذي ابتعد عن الله.. طبعا لأن جمال عبدالناصر أمم بعض ثروات كبار الأغنياء ووزع أراضي علي الفلاحين.
ويعرف الخبراء العسكريون جيداً أن حرب الاستنزاف التي بدأت بعد هزيمة يونيه مباشرة اثر اصلاحات واسعة في الجيش ثم أوقفها «السادات» هي التي مهدت الطريق لنصر أكتوبر المجيد 1973 الذي نسب إلي السادات ثم أطلقت هذه الحرب لثورة النفط التي رفعت أسعاره عالميا بشكل غير مسبوق، وأصبح لبلدان الخليج المحافظة دينيا.. والسعودية علي نحو خاص - نفوذ واسع في السياسة العربية والمصرية، وأخذ الاخوان المسلمون الذين كانوا قد هربوا من الملاحقات الناصرية يعودون إلي البلاد بالأفكار الوهابية والثروات الطائلة، ليغذي وجودهم أفكار التطرف وليصبحوا قوة سياسية واقتصادية ذات بأس وذلك بعد أن أدت سياسة الانفتاح الاقتصادي وامتلاك أمريكا لـ 99% أوراق الحل كما أكد السادات أدت إلي افقار متزايد وانقسام طبقي هائل وبطالة متفاقمة وهيمنة الثقافة الاستهلاكية التجارية وهو ما شكل بيئة خصبة تفاعلت فيها كل هذه العناصر لانتاج الاسلام الجهادي الذي أنهي حياة «السادات» نفسه، وجري تسميم الأجواء والمياه ضد المسيحيين المصريين، فأخذوا يهاجرون بايقاع سريع وقامت حالة الشك والتوجس المتبادلة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة وعبرت عن نفسها في احتقان طائفي يكاد يكون علي وشك الانفجار في أي لحظة.
وتصبح الحاجة ملحة الآن أكثر من أي وقت مضي إلي جبهة واسعة تضم كل الديمقراطيين ودعاة الدولة المدنية من مسلمين ومسيحيين رجالا ونساء للوقوف في وجه هذا الطوفان الأسود بدلا من أن يتمترس المسيحيون في الكنائس رداً علي التطرف والتكفير باسم الاسلام.. والاسلام بريء.
نقلا عن جريدة الأهالي
|