بقلم-سامح سامي
* ظهرت عبارة كلام جرايد وذلك بفعل بعض الصحفيين الذين لا يتحرون الدقة في موضوعاتهم الصحفية، أما الآن فتوجد عبارة صادقة لا تحتاج إلى جدل وهي كلام وزراء، يوجد خبر يقول: نفى أساتذة من رؤساء نوادي هيئات تدريس الجامعات وممثلون عن حركة «٩ مارس»، صحة ما جاء في بيان أصدرته وزارة التعليم العالي، حول نجاح الاجتماع الذي عقدوه مع الدكتور هاني هلال للتفاوض حول زيادة دخول الأساتذة.
كانت الوزارة قد أصدرت بياناً قالت فيه إن النظام المقترح للزيادات وربطها بتطوير الأداء الجامعي، كان محل توافق من أغلبية أعضاء هيئات التدريس بعد التعديلات التي أدخلت على الصياغة الأولى للمشروع.
وقالت مصادر من «لجنة الدفاع عن الجامعة» وحركة «٩ مارس» إن الاجتماع مع الوزير شهد انسحاب عديد من الأساتذة، أولهم الدكتور عصمت زين الدين الأستاذ غير المتفرغ للهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، وتبعه د. إيمان يحيى من جامعة قناة السويس، والدكتورة أمينة رشيد الأستاذة بكلية الآداب، احتجاجاً على إصرار الوزير على الصيغة التي أعدها ومستشاوره لمشروع التعديلات.
كان الدكتور حسين عويضة، رئيس اجتماع نوادي تدريس الجامعات، قد امتنع عن حضور الاجتماع وتوقع فشله قبل انعقاده، وأكد رفضه صياغة الوزير مشروع الزيادة.
* وصف الشيخ عبد الفتاح علام -وهو من الشيوخ الكبار وحالته لا تسمح له بمعرفة الإنترنت- دعاة الإضرابات والاعتصامات من شباب الـ «فيس بوك» بأنهم متخلفون وغير متحضرين وأسلوبهم همجي وفوضوي، لأنهم لم يفكروا في الاعتراض بالطرق المشروعة، وقال «إنهم آثمون وعقابهم حسب ما يقدر الحاكم طبقاً للشرع».
ورداً على سؤال حول مسئولية الحاكم عن تسريب امتحانات الثانوية العامة، قال علام إنه ليس مسئولاً عنها، وإنما يسأل في ذلك من ولاه الحاكم وكلفه بمتابعة الأمر، وأضاف «مَن يُحمّل الحاكم المسئولية في هذا الشأن فإنه يكلفه ما لا طاقة له به».
هذه مجموعة من الآراء السياسية التي ليس لها علاقة بالدين، ولكن كلام الشيخ عن الثانوية العامة وشباب الفيس بوك سيكون كلام مُصدّقاً طبقاً لأنه خارج من فم شيخ جليل!!
*عن تسريب الامتحانات، قال الكاتب الكبير أحمد رجب "لابد من المحاكمة الجنائية في مواجهة هذا الضياع"، بينما قال الشاعر فاروق جويدة أنه "نتيجة طبيعية لمسلسل طويل اسمه الفساد".
أما المفكر الكبير مراد وهبه فقد كتب مقالاً رائعاً حول ظاهرة الغش وعلاقتها بالفكر الإبداعي وثقافة التلقين وفي السطور التالية ننشر كلمات الدكتور مراد وهبه بدون تعليق:
في عام ١٩٧٨ صككت مصطلحين: ثقافة الذاكرة وثقافة الإبداع، وذلك في بحث ألقيته في «المؤتمر الفكري الثاني للتربويين العرب» ببغداد. وقصدت من ثقافة الذاكرة، أنها التي تتمركز حول التراث، أي حول الماضي، ومن ثم تكون مهمة المعلم في مجال التعليم، تلقين الطالب حقائق التراث، دون أن تخضع لأي نقد أو شك، وتكون مهمة الطالب بعد ذلك حفظ هذه الحقائق واستدعاءها عند اللزوم.
ومن هنا يكون الامتحان اختباراً لقدرة الطالب على استدعاء ما تلقنه وحفظه، أما ثقافة الإبداع، فهي على الضد من ثقافة الذاكرة، إذ هي تستلزم تكوين رؤية مستقبلية، أي رؤية وضع قادم، في ضوء نقد حقائق التراث، أي إخضاعها لمنهج الشك.
والغاية من هذا النقد وهذا الشك، تغيير الوضع القائم من أجل تأسيس الوضع القادم، ومن هنا تتغير العلاقة بين الطالب والمعلم، فبدلاً من أن تكون سلبية تصبح إيجابية، بمعنى أن ما يقدمه المعلم من حقائق يكون موضع نقد من الطالب. ويلزم من ذلك رفع «القداسة» عن المعلم وعمّا يقدمه من حقائق، وبالتالي يكون من الخطأ ترديد بيت الشعر القائل:
قم للمعلم وفّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
وإذا رفعنا القداسة عن المعلم وعما يقدمه من حقائق، يريد فرضها على الطالب، رفعناها أيضاً عن الامتحان، بمعنى استبعاد الوهم بأن لكل سؤال جواباً واحداً ليس إلا، ومن ثم تتعدد الأجوبة عن السؤال الواحد، وبالتالي يمارس الطالب قدرته على الإبداع.
في هذا الإطار، يمكن القول، إن نسق التعليم القائم يستند إلى ثقافة الذاكرة دون ثقافة الإبداع، ولا أدل على صحة هذا القول مما يسمى «إجابة نموذجية»، أي إجابة جاهزة سلفاً ولا إجابة غيرها، وما على الطالب إلا وضعها في ورقة الامتحان.
ومن أجل تدعيم قدرة الطالب على التذكر بزغت ظاهرتان: الدروس الخصوصية والغش.. والعلاقة بينهما علاقة عضوية، فمهمة المعلم في الدروس الخصوصية، مزدوجة، إذ هي أولاً عبارة عن تحويل مادة الكتاب المقرر إلى بنود موجزة، يقال للطالب إنها أجوبة عن أسئلة مفترض ورودها في الامتحان، ثم هي ثانياً عبارة عن تدريب الطالب على استدعائها في الامتحان ولا لزوم لها بعد الانتهاء من الامتحان. وإذا خانته الذاكرة في الامتحان، كان عليه معالجة هذه الخيانة بالاستعانة بذاكرة طالب مجاور.
وهذه الاستعانة يقال عنها «غش» وفي «المعجم الوسيط» الصادر عن مجمع اللغة العربية يقال: «غَشَّ في الطالب الامتحان، أي كتب في ورقة الإجابة ما نقله من جاره أو من ورقة معه»، وإذا تعذر هذا النوع من الغش، استعان الطالب بأدوات تكنولوجية معاصرة مثل «الموبايل»، وإذا تعذر هذا وذاك استعان بمن يسرب له الامتحان من المنبع. وقد حدث هذا التسريب بغزارة وبجرأة في امتحان الثانوية العامة في شهر يونيو عن هذا العام.
وتأسيساً على ذلك كله، يمكن القول إن الغش هو أعلى مراحل ثقافة الذاكرة، فإذا أردنا التخلص من الغش كان لزاماً علينا، في المرحلة الراهنة، توظيف ثقافة الذاكرة لصالح ثقافة الإبداع، خاصة أن الكمبيوتر الآن يقوم مقام الذاكرة البشرية. وإذا كان ذلك كذلك فما الداعي للتلقين والحفظ والتذكر، بل ما الداعي للامتحان؟ قد يكون السؤال صادماً، ولكن الصدمة قد تزول عند قراءة إعلان منشور في إحدى الصحف المصرية على النحو الآتي:
«مطلوب شخصية مبدعة لوظيفة إلكترونية (البيع عن بعد)»، مع خلو الإعلان من ذكر الدرجة العلمية المطلوبة. ومغزى هذا الإعلان أن ثقافة الإبداع في طريقها إلى أن تكون أساس نسق التعليم القادم في ضوء الثورة الإلكترونية، بل مغزى هذا الإعلان أنه يلزمنا بتأسيس نسق تعليم يقوم على الثورة الإلكترونية، ومن غير هذا التأسيس تزج مصر وما يماثلها من دول، من مسار الحضارة الإنسانية.