أزمة أبو فانا أم أزمة الضمير

بقلم- مجدي ملاك
ما حدث لدير أبو فانا طوال الأسبوع الماضي يشبه المسرحية الهزلية التي يلعب فيها كل الناس إدوار الكومبارس ولا يوجد بطل واحد سوى من تحمل الضرب والإهانة من أجل لا ذنب ارتكبه، حقيقة أن أزمة دير أبو فانا أوضحت بما لا يدع مجال للشك أن مجتمعنا يعيش أزمة ضمير كبرى نحو الكثير من الأشياء، وأزمة الضمير الأولى في حادث أبو فانا في ترك الأمن والمحافظ لكل الأمور حتى تتطور للأسوأ، وهو ما جعل الأوضاع تصل إلى حد تعذيب ثلاثة من الرهبان بمنتهى القسوة التي لم نشهدها من قبل سوى في الأراضي الفلسطينية أو العراق.
وأزمة الضمير تلك لها أبعاد كبيرة فيما يتعلق بسلامة وأمن المجتمع، فعندما تكون السلطة المسئولة تفكر بمنطق تأجيل المشكلة حتى تنفجر هنا يكون الخطر الحقيقي، لأن أي مسئول يفترض أنه يتعامل من هذا المنطلق فهذا يعني أنه لا يملك من الضمير أو الواجب داخله ما يدفعه لإحقاق الحق وبصرف النظر عن حجم المواجهة أو النتائج التي سوف تسفر عنها تلك المواجهة، فيسعى لتأجيلها حتى تنفجر في وجه صاحبها وهو ما حدث بالفعل.
أزمة الضمير الأخرى جاءت من التناول الإعلامي للحدث، وهذا التناول الإعلامي جاء في كثير منه ظالم وربما غير منصف، فحينما يصور البعض في البرامج التليفزيونية أن تبادل إطلاق النار كان متبادل بين الرهبان في الدير وبين العربان فهو خلط متعمد للحقيقة، كما به تلميح غير شريف بأن الرهبان يتسلحون داخل الدير.

وما لا يعرفه الإعلام المصري الذي لا يكلف نفسه البحث في طريقة حياة الرهبان، سوف يعرف أن الرهبان يتخلون عن كامل ملذات الحياة حتى البسيطة منها في مقابل العيش في حياة الزهد والصلاة، فكيف لهم إذاً أن يحملوا سلاح؟!! ومن أين يأتون بتلك الأسلحة؟!! فالراهب يفترض أنه لا يحمل سوى صليبه كم قال السيد المسيح "يحمل صليبه ويتبعني"، إذاً الرؤية المضللة التي يريد الإعلام المصري توصيلها عن جهل أن الرهبان يحملون أسلحة وهو أمر يمكن أن نطلق عليه "عذر أقبح من ذنب"، لأنه أما أن يكون جهل بطبيعة حياة الرهبان وهو كما قلت عذر أقبح من ذنب، أم أنهم يتعمدون تشويه صورة الأديرة والرهبان الموجودين داخل الأديرة.

وبالنسبة للصحافة المقروءة فقد أظهرت بعض الصحف تعاطفاً مع الدير خاصة جريدة البديل التي كتب رئيس تحريرها مقالات متتالية يؤيد فيها الدير ويستنكر ما قام به البدو باعتبارهم فوق سلطة القانون، فنجد في نفس الوقت هناك مَن حاول أن يصور الأقباط وكأنهم عملاء للأمريكان بسبب بعض الهتافات فجاءت جريدة الدستور وأفردت صفحة بأكملها تحدثت فيه بالغمز عن أسباب استنجاد الأقباط في تظاهراتهم بأمريكا، ووضعن تصفيق الأقباط للسفير الأمريكي أثناء قداس العيد للتدليل على ذلك الأمر، وأياً كانت ما تريد الجريدة معالجته، فوضع ذلك الموضوع في ذلك التوقيت يعطي انطباع لا شك فيه أن الجريدة تريد سكب الزيت على النار ليزداد الاحتقان.

ولكن هنا لنا تعليق أيضاً حينما يستنجد شخص بآخر، يأتي هذا الشعور من الإحساس بالخوف والضعف أمام الظلم الواقع عليهم، فالاستنجاد بأمريكا لا يعني الاحتماء بأمريكا في حد ذاتها، ولكنه أمر رمزي نتيجة الشعور بأن أمريكا هي القوة التي يعمل الكل لها ألف حساب، ولذلك لو كانت روسيا على سبيل المثال هي القوى العظمى سوف يستنجد الجميع بروسيا، فأمريكا هنا هي رمز اللجوء للقوة وهو أمر يستخدم من أجل الإحساس بمدى الظلم الواقع على البعض، وأعتقد لو ظن المصريين أن الدولة قوية بما يكفي لكانت النداءات كلها ذهبت للحزب الوطني أو الرئيس مبارك، ولكن تكرار تلك الأحداث يعني أن الدولة ضعيفة ولا تستطيع حماية مواطنيها، لذا فأزمة الضمير هي المشكلة الحقيقية داخل المجتمع المصري الذي دفعه النظام لوضع ضميره في الثلاجة. 



عنوان المقالة «أزمة أبو فانا أم أزمة الضمير»
«بصراحة»

«الأقباط متحدون»